غندور في الجهة الأخرى تتنازعه هواجس المقعد الجديد وإحراز النقاط، يتفرّس موطئ قدمه حتى لا تنزلق على اتفاق أشبه بـ(نافع عقار). عينه اليمنى في طاولة المفاوضات تتفحّص أوراق عرمان، الممسك بها في عناية شديدة، وعينه الأخرى في الخرطوم، تتابع سيل الأحاديث التي تترى في صحفها ومجالس أنسها السياسي. هذا الوضع بمقاييس العرف التفاوضي مبعثر، لا يمكن أن تتمخّض عنه معاهدة توقف دوي الكاتيوشا وقاذفاتها التي ألهبت ظهر مواطني جنوب كردفان. الحوار المتزامن بالداخل حسب المراقبين كان يمكن أن يلقي بظلال باردة على سخونة الأجواء في أديس أبابا، بحكم أن روح الحوار أصبحت هي السائدة في جميع الملفات السودانيّة، بيد أن ذات المراقبين يرون ضعفاً بائناً في قدرة القوى الداخلية على تحريك العملية السياسية لتكوين محصلة قوية تصبح دافعاً للقطاع، وتحفزه في تسريع تقاربه مع الحكومة، وتوقيع اتفاق ينهي أزمة الحرب.
المراقبون يبررون لعدم القدرة والعجز لتباين وجهات النظر داخل تحالف المعارضة العريض، الذي أصبح منشقاً بعد قبول زعيمي الأمة القومي والمؤتمر الشعبي بالحوار، وتخندق الأحزاب الأخرى في موقفها الساعي لإسقاط النظام، أما العمود الثالث الذي تمثله الأحزاب المتحالفة مع الحكومة، فهي دائماً في موقف يتماهى مع طرف الحكومة، وظل صامتاً عن إبداء رأيه حول العملية التفاوضية، ولو النصح لها بتسريع العملية السلمية، وتتويج غاياتها. لكن أيضاً دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي قطاع الشمال للعودة إلى المفاوضات والامتناع عن التصعيد العسكري أو التهديد به، مطالباً بأهمية إعطاء الوضع الإنساني أولوية قصوى، وعدم عرقلة وصول الإغاثات للمتأثرين بمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وطالب بيان صادر من الحزب جميع الأطراف بالالتزام بالاتفاق الثلاثي الموقع من قبل الطرفين مع الآلية الأفريقية، داعياً الوساطة الأفريقية وأطراف النزاع للدخول في حوارات عميقة تحقق السلام والأمن بالمنطقتين، مطالباً الطرفين بالقبول بمجلس قومي للسلام يضم جميع أصحاب الشأن لحل قومي لقضية المنطقتين، وأكد الحزب أن الحل الوحيد لمشكلات البلاد هو الحوار الوطني مع كافة الأحزاب والقوى السياسية، داعياً الطرفين لقبول الحل القومي السلمي بالتفاوض الذي يفضي لحل جميع قضايا البلاد ويحقق الوحدة الوطنية، وتعتبر هذه إشارة قوية على قبول القوى الداخلية وقناعتها بالسلام والحوار.
يذكر للصادق أيضاً أنه أدان خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم في فبراير من العام الماضي رفضَ حزب المؤتمر الوطني الحاكم التفاوضَ مع مقاتلي الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال)، ووصف وقتها موقف المؤتمر الوطني بالسياسة النعامية لتجاهله قوة، قال: إن لها سنداً شعبياً ومطالب حقيقية. مثل هذه المواقف قد تقرب الشقة بين أطراف التفاوض وتنزع عنهما غلّ المواقف السياسية والتصنيفات، باعتبارها تمثل رأي أحد أهم القوى السياسية بالداخل، كما أنها تدفع بعملية التفاوض لتتكامل مع الحوار الداخلي.
حسناً؛ أيام قليلة ويعاود الفرقاء الجلوس في جولة جديدة في ظل أوضاع معقدة محيطة بالبلاد، قد تنتهي بمثل ما بدأت، وتعاود أصوات الكاتيوشا مثل ما قصفت قوات قطاع الشمال بعد ساعات من انهيار الجولة الأولى مدينة كادوقلي، ويصل إلى مسامع الحركة وعيد وزير الدفاع الفريق عبد الرحيم محمد حسين بعمليات الصيف، بينما الأوضاع أكثر تعقيداً على الصعيد الإقليمي في الحروبات التي تفجرت في عدد من دول أفريقيا ليس آخرها المجازر التي تجري في “بانقي” وباقي مدن دولة أفريقيا الوسطى، فضلاً عن الأوضاع الداخلية التي تعايشها البلاد في تدهور الاقتصاد، وضنك معيشة المواطن، ومعاناته المتضاعفة بسبب عدم استتباب الأمن، وهي حسب رأي المراقبين مؤشر خطير وناقوس خطر يدق على طاولات التفاوض أن تكون جادة في جولتها القادمة، وأن تتقدم خطوات تنعش بها آمال الشعب السوداني الذي ينتظر -على أحرّ من الجمر- مخرجات إيجابيّة للعملية، عساه ألاّ يكون مثل المنتظر لغودو، بطل مسرحية الكاتب العالمي صمويل بيكيت. فغودو هو المخلص لحالة الترقب والانتظار لرجلين فقيرين ومعدمين، ينتظرانه في قارعة الطريق.. وللمفاجأة، فهو لا يأتي أبداً
حسن محمد علي: صحيفة اليوم التالي [/SIZE][/JUSTIFY]
