نحن الآن في السودان نمر بأحرج فترة في تاريخنا الحديث، قد نفقد فيها السودان ولا نجد كياناً أو مكاناً نتصارع فيه، ويفقد المواطن السوداني المسالم الملاذ الآمن والطمأنينة التي هي البيئة الصالحة له للعيش الكريم حسب خصائص الشعب السوداني المستمدة من قيمه الدينية الرفيعة وعاداته المكتسبة المتمثلة في التسامح، العفو عند المقدرة، الكرم، الشهامة، الرجولة، الصدق، عفة اليد واللسان، التواضع، المساواة وأخيراً الرجوع الى الحق والاعتراف في نبل بالخطأ، هذه هي صفات وخصائص الشعب السوداني العظيم التي نعرفها والتي أصاب جزء كبير منها الوهن والضعف بسبب تكريس الذات وتنامي الأنانية، وحب الدنيا، ونسيان الآخرين، واسترخاص الأرواح التي حض الإسلام- في أعلى درجاته في القرآن الكريم والأحاديث النبوية واجتهادات الفقهاء الصادقين- على تكريم الإنسان والحفاظ على روحه وماله وعرضه، ولكن كل ما حدث من انحراف في خصائص الشعب السوداني ما هو إلا قشور وما زالت الجذور أصيلة قابلة للعودة الى السطح ونابضة بالحياة.
[B]
السودان في 130 سنة تم حكمه بالأنظمة التالية:[/B]
1885-1898 (14 سنة) المهدية 1898-1956 (58 سنة) الاستعمار الانجليزي المصري 1956 -1958 (سنتان) حكومات أحزاب الأزهري وعبد الله خليل عن الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة 1958 -1964 (6 سنوات)، حكومة عبود1964 -1965 (سنة) حكم انتقالي برئاسة سر الختم الخليفة-1965-1969 (4 سنوات)، حكم أحزاب الصادق المهدي1969-1985 (16 سنة)، حكم نميري-1985 حكم انتقالي (سنة) الجزولي دفع الله1986 – 1989 (3 سنوات حكم أحزاب الصادق المهدي)، 1989-2014 (25 عاماً) حكم الإنقاذ- الجملة 130 عاماً.
من هذا يتضح أن أطول حكم في السودان كان الاستعمار (58 سنة) يليه حكم الإنقاذ (25 سنة)، يليه حكم نميري (16 سنة)، يليه حكم المهدية (14 سنة) ثم حكم عبود (6 سنوات).
لذلك إذا استبعدنا حكم الانجليز تكون فترة حكم الإنقاذ في السودان هي أطول فترة حكم في مائة وثلاثين عاماً، مما يعني أن تتعامل المعارضة بشقيها السياسي المدني والعسكري المسلح مع نظام الإنقاذ بهذه الخلفية، وهي أن 25 عاماً كأطول فترة حكم وطني تمكن النظام من كل مفاصل الحكم مستفيدة من كل تجارب الماضي في العمل السياسي والنقابي والعسكري والحركات المسلحة المتمردة، وأن تعلم المعارضة أيضاً أن أفضل وسيلة لتحقيق غاياتها وأهدافها لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الحوار، وأن تدرك أيضاً أن الشخصية السودانية في غاية الحساسية والشراسة عند التراجع والرجوع الى الحق لا تحتمل أي استفزاز أو شماتة في هذه المرحلة، عليه يجب مساعدة الرئيس والحكومة في هذا الطرح الجديد الصادق ومساعدته بصدق دون (شفقة) في الرجوع، حتى نصل جميعاً الى نقطة لقاء تحفظ السودان وشعبه لأن الإنقاذ الآن ليست بالضعف الذي يجعلها تقبل طواعية بتصفية نفسها اختيارياً- لا نريد للمعارضة أن تفعل كما فعل صاحب منزل في أحد (أزقة) أم درمان عندما رأى سائق لوري يحاول أن (يستعدل)- أي يغير اتجاهه 180 درجة- فكان سائق اللوري يرجع خلف مسافة بسيطة وينزل من اللوري ليقدر بُعد اللوري من حائط منزل ذلك الشخص- طلب صاحب المنزل من سائق اللوري أن يبقى في كرسيه وهو يقوم بمساعدته قائلاً (ورا، ورا، ورا) يعني واصل الى الخلف وصاحب اللوري مطمئن لنداء صاحب المنزل العالي حتى نسي حائط منزله مواصلاً نداءه (ورا، ورا) حتى صدم صاحب اللوري حائط المنزل وهدمه، عندها قال صاحب المنزل: «باس» يعني توقف، وتمت العملية بهدم المنزل ولم يستطع سائق اللوري إكمال (استعداله)180 درجة.
نخلص الى أن على المعارضة بشقيها المسلح والسياسي التقاط هذه المبادرة والتعامل معها بكل جدية واخلاص، حفاظاً على الوطن والمواطنين، لأن التخوف من أن كل ذلك ما هو إلا كسب وقت من قبل المؤتمر الوطني تخوف غير منطقي، لأن استشعار الرئيس ومساعديه بخطورة الموقف وتقديرهم للبعد الخارجي الضاغط أكبر من مسألة كسب وقت، ثم مسألة كسب وقت هذه ماذا تعني بعد 25 عاماً من الحكم هذا كان المطلوب من جانب المعارضة- الحكومة والمؤتمر الوطني المطلوب منهما- وفي أقصر فترة ممكنة- الابتعاد عن نظرية المؤامرة والعمل الجاد للتحالف مع أمريكا والسعودية ومصر، والمقصود ليس حلفاً مكتوباً، المطلوب التعامل مع أمريكا كأب كبير يملك كل مقومات الأبوة ونحن- السودان- أبناء لا توجد بيننا اي ندية ونحتاج له حتى يقوي عودنا- أمريكا بكل ما أملك من مقدرات عقلية لا تريد تفكك السودان، أمريكا تتعامل بالعقل لا بالعاطفة تتعامل بالموضوعية المحكومة بمؤسسات لا تتأثر برؤسائها- أمريكا حينما تتحدث عن الجوانب الإنسانية ومعاناة المدنيين فهي مدفوعة ومحكومة بمؤسسات وتنظيمات مجتمع مدني مؤثر في كل سياساتها- أمريكا لا تعادي الإسلام وإلا لما وقفت حتى اليوم مع المسلحين المسلمين في سوريا ضد نظام بشار الأسد، ولما وقفت مع الأخوان المسلمين المعارضين في مصر ضد السيسي في مواقف تبدو متناقضة، لكنها في الواقع متناغمة مع مبادئها الثابتة في أمن وأمان المدنيين الأبرياء في كل أنحاء العالم، وفي ذلك اتساق كامل مع مقدمة ميثاق الأمم المتحدة ورغبة منظمات مجتمعها المدني- مشكلتها مع السودان الآن في تدهور أوضاع المدنيين في مناطق العمليات العسكرية في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ولن يجدي معهم إلا العمل الجاد على أرض الواقع في تحسين ظروف معيشة المدنيين في هذه المناطق فهم- (أي الأمريكان)- يملكون المعلومات كاملة وموثقة بأقمارهم الاصطناعية، ولا يمكن تحسين أوضاع المدنيين إلا بوقف كل الحروبات الدائرة عبر التفاوض الجاد المنتج.
المملكة العربية السعودية حليف تاريخي للسودان، وبالمملكة قرابة المليون سوداني يعيشون في أمن وأمان وحب الأخوة السعوديين- السعوديون بمثابة الأخ الأكبر الشقيق يجب أن نسعى اليهم ونكسبهم ونعود (زي ما كنا) كما قال الشاعر ولن يردونا، فهم خاصة قياداتهم السعودية نبلاء وعرب مؤصلون محافظون على كل القيم والعادات العربية الرفيعة، وملكهم جلالة الملك عبد الله الذي اشتهر بحب السودانيين ينطبق عليه قول شاعرنا الراحل الفذ ادريس جماع:
هين تستخفه بسمة الطفل** قوي يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمالٍ ** مستشف من كل شيء جمالا
صحيفة أخر لحظة
عمر البكري أبو حراز
ت.إ[/JUSTIFY][/SIZE]
