والغريب بالفعل هذا التزامن بين الحملة البربرية على السودان بأيادٍ شقيقة وبين واقع جديد مفروض على المشهد السياسي المصري، وكأن المحرك لكل هذه الخيوط يستهدف بالأساس قوة وتماسك الدولة المصرية، ذلك لأن الداعم القوي لمصر ولدورها في المنطقة والمساند لها في قضايا تمس أمنها القومي كملف مياه النيل، هو بلا شك السودان .. وأن فقدان هذا العنصر الحيوي في المعادلة لهو فقد كبير سوف تتضرر منه مصر أولاً وأخيراًً.
الذين انساقوا دون أن يعوا مخاطر توتر العلاقة بين البلدين سخروا السلاح المؤثر جداً على الشارع المصري المسكين، وهو الإعلام الحكومي المصري جيد الإسفاف والتلفيق والذي قاد حملة رعناء للضغط على السودان بالباطل للحصول على مكاسب في قضايا إستراتيجية مثل سد النهضة، بجانب محاولة إحباط ثورات الربيع العربي والانتقام من كل الأنظمة التي أنتجها الربيع، وكذلك كل من ساندها.
وبجانب استخدام آليات الضغط الإعلامي اتجهت أذرع الدولة العميقة التي تحرك السياسة في مصر إلى أُسلوب آخر تم تجريبه من قبل إبان نظام مبارك، وهو أُسلوب إيواء الحركات المسلحة وتوفير العلاج وإعادة التنظيم لقياداتها، بجانب التواصل مع دولة جنوب السودان بصورة سالبة تماماً كما كان يحدث قبل الانفصال، فضلاً عن إثارة قضايا خلافية مثل قضية حلايب وقضايا مسيئة مثل تهريب سلاح سوداني للإخوان وأكاذيب مثيرة للشفقة مثل الترويج لوجود معسكرات للجيش المصري الحر بالسودان، ودعاوي تمويل السودان للصراع القبلي في صعيد مصر بعد الوديعة القطرية الأخيرة، وانتهاءً بسقطة الترويج لحرب السودانيين على مصر بنقل الملاريا إلى أسوان.
والضرورة تحتم إعادة النظر في بناء وشائج الصلة الحكومية وفق مقتضيات المصالح المشتركة كرد للعدوان، وكإفشال لمحاولات الإذلال، خاصة أن دولة محترمة مثل مصر لم تتخذ من الندية منهجاً معاشاً قط في تعاملها مع السودان، وكان نهجها المستمر والدائم هو النظر من علٍ وبأنف شامخ ومزدرٍ.
صحيفة الإنتباهة[/SIZE][/JUSTIFY]
