الصادق الرزيقي

الاستفادة من تجربة ولاية


> خلال الشهور القليلة الماضية شهدنا افتتاحات لمرافق خدمية أساسية في ولاية الخرطوم في مقدمتها المستشفيات والمراكز الصحية ومؤسسات التعليم العام والطرق ومحطات المياه وغيرها من احتياجات المواطنين الضرورية، لكن الملاحظ فيها جميعاً اتساع دائرة الاهتمام بالخدمات الطبية والمؤسسات العلاجية، وتكاد كل أطراف وأنحاء الولاية قد حظيت إما بمستشفى مرجعي أو مركز صحي كبير يشمل عدداً كبيراً من التخصصات، وهذا جهد وإنجاز يحسب للولاية بلا شك رغم ما يواجه هذا الاتساع من أسئلة ضرورية حول توفر الأطباء والكوادر الطبية المختلفة.
> وربما تعود فلسفة التوسع في الخدمات إلى الرؤى الحديثة والتوجهات الجديدة في ممارسة السياسة التي لم تعد شعارات براقة ولا مخاطبات للجماهير أو مغالطات حول القضايا المطاطة اللزجة المطروحة على المشهد السياسي، فالسياسي والمسؤول الناجح هو ذلك الذي يحقق نتائج ملموسة وينتبه لينجز مشروعات خدمية تذهب لصالح المواطن ويحقق الكثير للمنفعة العامة التي تبقى وليس الكلام الذي يتلاشى في الهواء.
> وتمتلك حكومة ولاية الخرطوم بقيادة الوالي الدكتور عبد الرحمن الخضر كفاءات وكوادر وقيادات استطاعت أن تهتدي للشعارات الحقيقية التي يريدها مواطن الولاية، وهي التوجه الجاد للعمل في مجال التنمية الخدمية وتطوير مرافقها في كل الولاية، وإكمال مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبنى التحتية.
> بالأمس كنا في إنجاز من إنجازات الولاية التي تمر في هدوء دون جلبة ولا ضجيج، فمستشفى بحري الذي أنشئ في عام 1947م كمستشفى ريفي، لم تصله يد التطوير إلا لماماً في الخمسينيات ثم في فترات متفاوتة، لكن امتدت إليه يد حكومة الولاية، وتم افتتاح أكبر وأحدث مجمع للطوارئ والإصابات في البلاد في مبنى يضاهي أحدث وأكبر المستشفيات في المنطقة العربية والإفريقية كما قال المدير الطبي لمستشفى بحري في احتفال الأمس، مبنى ضخم وواسع يتحوي على عدد من غرف العمليات و «40» سريراً في العناية المكثفة وعشرات الأسرَّة لمرضى الطوارئ وأحدث الأجهزة والمعدات الطبية التي جعلت منه مستشفى في مصاف راقٍ كأي مستشفى عالمي، وهو صورة فقط لما تم افتتاحه خلال الفترة الماضية في الولاية، وفق منهج وتخطيط سليم يشرف عليه البروفيسور مأمون حميدة الذي يعمل في صمت دون أن يلهث وراء الإعلام ومساقط الأضواء ولواقط الأصوات.
> تجربة ولاية الخرطوم لا بد أن تعمم، فالخدمة الطبية المتوفرة في الخرطوم تستفيد منها كل ولايات السودان، فمثلما وزعت ولاية الخرطوم خدماتها في أطراف المدن، على الدولة أن توزع هذه الخدمات على مناطق السودان الأخرى حتى تعم الخدمات ويقل الاعتماد على المرافق الطبية المتطورة في الخرطوم وغيرها من الخدمات التي صممت لسكان الولاية وعاصمة البلاد.
> صحيح ولاية الخرطوم أغنى ولايات السودان ولديها من القدرات المالية والفرص المتاحة ما لا يتأتى لغيرها من الولايات، لكن الولايات الأخرى لن يعجزها أن تنجز إنجازات ملموسة ومرئية وواضحة حتى يطمئن المواطن ويعم الاستقرار، ومن المناسب أن تسعى رئاسة الجمهورية ووزارة الصحة الاتحادية إلى النظر بعمق في كيفية تمويل وإنشاء المؤسسات الطبية في الولايات وتقليل كلفة المجيء للخرطوم لتلقي العلاج الذي يمكن أن يصل إلى مواطني الولايات في أماكنهم.
> ومفهوم ومعلوم أثر وانعكاسات الاهتمام بالمجال الطبي على الإنتاج والأمن والطمـأنينة، فالجسد المعافى هو القادر على الإنتاج ومغالبة الحياة والإعمار والبناء والتنمية، فلا حياة لمجتمع يعاني من الأمراض والعلل ونقص العلاج وضآلة مرافق الصحة وبعدها وندرة العلاج، وكذلك لن يتوفر أمن ولا قدرة على حماية التراب والممتلكات وحياة الناس، إذا كان هم العلاج والخدمة الطبية في أقصى حالاته وأزماته وشحه، فلتطلق رئاسة الجمهورية اعتماداً على الإنجازات الخلاقة في ولاية الخرطوم، نداءً أو نفيراً وطنياً في عواصم الولايات والمدن الكبيرة لتغيير وجه الحياة الطبي، وقيام المستشفيات وتوفير الخدمات العلاجية والتشخيصية ونشرها في كل صقع من أرجاء البلاد، ولتكن وسائل الإعلام الشريك الأساس في هذا النداء والنفير، ومعهم الأطباء والكوادر الطبية المهاجرة ورجال المال والأعمال وكافة قطاعات الشعب.