زواج سوداناس

منى عبد الفتاح : الروهينجا.. ندبة على جبين الإنسانية


شارك الموضوع :

قبل أن يعلق الروهينجا في عرض البحر وسط تجاهل المنظمات الحقوقية الإنسانية الدولية، عانت هذه الأقلية المسلمة والتي تعتبر من أكثر الأقليات اضطهادا في العالم، من شتى أنواع التمييز والاضطهاد لعشرات السنوات في ميانمار/ بورما ذات الأغلبية البوذية.
يرجع المؤرخون أصل الروهينجا إلى تجار عرب تحطمت سفينتهم في القرن الثامن الميلادي، فأقاموا بولاية أراكان – المملكة القروسطية المستقلة – التي تفصل بينها وميانمار عدة جبال، بينما يفصلها عن بنجلاديش نهر الناف. وقيل إن اسم روهينجا هو محرف عن «رهام» أو «الرحمة» وهي الدعاء الذي كان على لسان أولئك التجار سائلين المولى عزّ وجل الرحمة واللطف بحالهم عندما عصف بهم البحر. اختلط الروهينجا بهجرات من البنجال، وفي عام 1784م أصبحت أراكان جزءا من بورما.
وكمثال فقط على اضطهاد الروهينجا كان حرمانهم من الجنسية الميانمارية بنص قانون للجنسية صادر في 1982م، فلا يتم إحصاؤهم من ضمن سكان البلد، وليس لقوميتهم ذِكر ضمن قائمة قوميات ميانمار الـ130. وكمثال آخر فقد قررت السلطات في ميانمار تجفيف وجودهم بمنعهم من إنجاب أكثر من ولدين، كما يمارس عليهم المنع من السفر والتحرك من قرية إلى أخرى إلّا بدفع ضريبة. وليس للروهينجا حق الدفاع عن النفس إذا اختصموا مع القوميات الأخرى خاصة البوذيين الثيرفادا، هذا غير تعرضهم لأنواع عديدة من الابتزاز والضرائب التعسفية ومصادرة الأراضي والإخلاء القسري وتدمير منازلهم، حتى فر الكثير منهم إلى بنجلاديش.
حين تم تهجير الروهينجا من هذه الأرض الظالم أهلها ظنا منهم أنهم سيجدون مأوى آخر في أرض الله الواسعة، لم يجدوا غير أمواج البحر تلعب بهم وتحول ما تبقى من أرواحهم المكلومة إلى أشباح أرواح.
ينظر العالم وما زال إزاء هذه الأزمة، ولولا تحرك ماليزيا لإيواء هؤلاء لأصبحت ذكراهم ندبة تضاف إلى العديد من الندبات والشروخ على جبين الإنسانية. وتمثلت وقفة ماليزيا في إصدار رئيس وزرائها نجيب عبدالرزاق، الخميس الماضي، أوامره للقوات البحرية للقيام بالبحث عن آلاف الروهينجا المهجرين الموجودين وسط البحر، لإنقاذهم بالسماح لـ7 آلاف مهاجر تقطعت بهم السبل في البحر بالنزول إلى الشاطئ والإقامة في مراكز إيواء موقتة لاستضافة المهاجرين. وحذت إندونيسيا حذو ماليزيا، بينما امتنعت تايلاند رغم أنها نقطة عبور تقليدية للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى ماليزيا بطريقة غير مشروعة. والسبب في موقف تايلاند أن العبور غير المشروع يحقق للبلاد دخلا إضافيا مثله مثل التجارة المشبوهة التي تنشط هناك.
هذا التجاهل الدولي يعكس بشكل واضح عوار الفكرة الإنسانية التي قامت عليها مبادئ مواثيق حقوق الإنسان في المنظمات الدولية. ففي أحداث مشابهة كان يلقى بهذا النوع من التقصير في أداء المهام الإنسانية على ظروف داخلية إذا كان الظلم واقعا على أقلية في دولة معينة، أما وقد خرج الروهينجا إلى فضاء هذا العالم فهم من المفترض أن يكونوا بين أياد كثيرة تقدم العون والمساعدة بدلا من التماطل والتجاهل.
يعتبر هذا الأنموذج لافتا للنظر ويشجع مثل غيره من النماذج على تحسس الروح الحضارية عند هذا العالم المتلاطم المبادئ. فتبني العنصرية بكل أشكالها هو خروج من عصر الدولة إلى عصر التخلف. والتواني عن إنقاذ هؤلاء المهجرين بفعل الاضطهاد بناء على خلفيتهم الدينية هو حط من قدر الأديان السماوية التي ساوت بين البشر على أساس القيمة الإنسانية والروحية وليس التميز بأصل النشأة والمعتقد. فيكفي أن العنصرية في الأفعال والمعتقدات والتقليل من قدر جنس معين هما ما أخذ بيد التعصب والاستبداد والاسترقاق، ذاك العار الذي مكن من تفشي حركات معاداة أجناس معينة كتلك التي أدت إلى المحارق والمجازر وعمليات الإبادة.ويظل السؤال مفتوحا: هل يجيء يوم على هذا العالم ويكون خاليا من هذه الصراعات المقيتة، وهل ستتوافر مقومات تحقيق أسس الحرية والعدالة والمساواة والسلام؟

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *