زواج سوداناس

معالم النظام الخالف القادم .. هوادي الشيخ “الترابي” في الفقه السياسي (2)



شارك الموضوع :

تبتدر (المجهر) نشر مراجعات فكرية للشيخ “حسن الترابي” في الفقه السياسي ورؤيته للنظام الخالف الذي أثار جدلاً واسعاً في الساحة الداخلية والخارجية بعد سلسلة تجارب سياسية منذ جبهة الميثاق الإسلامي والجبهة الإسلامية القومية، وضع خلالها معالم المشروع الحضاري. وتفتح (المجهر) بعد نشرها لهذه السلسلة المتميزة بيراع الشيخ “الترابي”- دون تدخل تحريري من إدارة الصحيفة– الباب واسعاً للمفكرين والمستنيرين للنقاش حول هذه الرؤى المطروحة. وتشير الصحيفة إلى أنها تهدف من ذلك لتقديم خدمة راقية في المجال الفكري.

{ الوحدة بين عوامل الوجدان والسلطان
قانون الأرض إذاً محدود في أثره بإحاطته وجزاءاته وبرقابته المحدودة، ولكن قانون الإسلام يستند إلى سلطان الدولة، ثم هو موصول بالوجدان المسلم وبحياة المجتمع، ففي نظام الإسلام تتناصر هذه العوامل الثلاثة: وجدان المسلم الذي يجده في نفسه من حيث هو فذ، والمجتمع الناصح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المتكافل في ذلك، والسلطان الذي يقوم بهذا الجزاء المحدود الذي هو القانون ويقوم كذلك بواجبات التربية.
فلو قام نظام الإسلام المتكامل بأفراده المسلمين ومجتمعه المسلم وسلطانه المسلم في الحياة، لأصبحت أصلح من كل حياة أخرى ولبلغ الناس من المثل العليا ما لا يمكن أن يبلغوه بغير هذه الضوابط الثلاثة.
{ فقه العلاقات الخارجية:
مهما انتشر بنو الإنسان في أقاليم الأرض أو تحيزوا جماعات وطنية أو كتلاً قومية فإن الأرض إطار واحد يقتضي علاقة وثيقة بين الناس، وإن الإنسانية فطرة واحدة تدعوهم إلى الائتلاف.
وقد هيأ التطور المادي الذي تيسر للإنسانية أسباب صلة أوثق، كما بسط وحدة الوجود الإنساني وكثّف آثار حركة الإنسانية وطرح بكل ذلك مشكلات أدق في العلاقات العالمية، إذ تضاعف مدى التفاعل للمنافع والمضار، واحتدت مسائل الحرية والعدل والتعاون والسلام وأزمت قضايا الظلم والقطيعة والحرب، وتعقدت تراتيب العلاقات الجزئية والكلية وصور التعاون والعفو المنظم بين الدول.
وقد تنزل دين الإسلام في رسالته الخاتمة نظاماً للعالم كافة يتجه بدعوته نحو البشر أجمعين تجاوزاً لخصوصيات حدودها أقواماً وأقاليم ودولاً، وينظم علاقة المؤمنين تواصلاً وتواصياً وتناصراً وعلاقات هؤلاء بسائر الناس بمختلف مللهم وأوضاعهم ومواقفهم.
وإذ جاء الدين نهج هداية للوجود العالمي للإنسان فقد اشتمل القرآن على آيات بينات في شتى العلاقات العالمية. وكان النموذج السنّي لجماعة المسلمين ثم لدولتهم كما قاده الرسول “صلى الله عليه وسلم” وسار به أئمة العلم والعمل بياناً مفصلاً بمقتضى هدي القرآن وتطور الفقه المنهجي لأحكام العلاقات العالمية ونظامها في التراث الفقهي عامة وفي كتب فقه السيرة المتخصصة. وكان كسب المسلمين علماً وممارسة عادلة في العلاقات العالمية هو الأسبق في التاريخ لأنهم اهتدوا بقيم علوية الحجة عالمية المغزى، بل كان هو المصدر لبعض ما تطور من علم العلاقات الدولية وقانونها في أوروبا لأن المسلمين بسطوا وجوداً حضارياً عالمياً فعالاً.
فمن هدي مصادر الشرع والتراث الإسلامي ثم من عبرة تجارب الإنسان وحاضر الواقع في النظم والسياسات والقوانين الدولية، تنبسط الأصول التي توجه مذاهبنا في العلاقات العالمية والدولية.
وهذا التأصيل مما يقتضيه التزام الهدى لأن الضارب في خضم العلاقات الدولية بغير اعتصام عرضة لأن تجتاحه أهواء الانفعال وتختلبه الفرص العارضة والمصالح الطارئة وتفتنه النظريات والأعراف السائدة، في محيط عالمي مضطرب بأهواء البشر الوضعية وصراعات القوى الظالمة، يُعلي القوة على الحق والشهوة على المبدأ. فمن أصول الدين ومن تنزيلها على الواقع نتهدي إلى مبادئ وقواعد نسترشد بها من بعد في المواقف والسياسات الفرعية. وبهذه الأصولية تتأسس منهجية يتطور بها علم إسلامي حديث لتقويم العلاقات الخارجية وتفصيلها.
وقد استلزمت حاجات الدعوة العامة إلى الإسلام أن تعلن الحركة الإسلامية الحديثة في وثائقها الأساسية، جُملة توجهات في مجال العلاقات الدولية والعالمية تعبر عن تعاليم الدين وروحه بوجه إجمالي. وكان هذا الإجمال كافياً ما دامت حركة الإسلام دعوة عامة لا تطمع إلا في ترويج كليات الدين والتذكير بأصوله والتعبئة العامة لحركة المتاب إلى الإسلام. ولكنها مع تطور الدعوة من الكليات إلى الفرعيات ومن واقع المجاهدة في الحياة العامة اضطرت إلى مذاهب ومواقف سياسية مفصلة إزاء الشؤون الدولية الراهنة، وهكذا يمتد المجال لاستكمال الكسب السابق لاتخاذ فقه أصيل ومنهج كلي ينظم الأصول العامة للسياسة الخارجية ويسلك فيها المواقف الفرعية لتستبين معالم الإسلام النظرية وينتظم وقع حركته فعلاً في هذا المجال.
ونبرز في ما يلي بعض المعاني المحورية التي يمكن أن تعتبر أصولاً كلية ترد إليها المبادئ الأساسية وتستنبط منها المواقف الفرعية في السياسة الخارجية لجماعة أو دولة مسلمة حيثما كانت، وذلك قبل أن ننزلها على الواقع الوطني والدولي المعين:
أ – الملة الإسلامية
الملة الإسلامية دين تحرير وتوحيد. ذلك أنه يستلزم تجرد المؤمنين عن عبادة كل طاغوت وإخلاص العبادة لله وأنه يخرجهم من التعلقات الأرضية المتفرقة إلى محور التوجه الواحد. والقيام بهذا الدين التحريري التوحيدي ينصب فئة المؤمنين في علاقة عالمية وتفاعل ويق مع سائر البشير. فكونه ديناً ربانياً يجعل مداه عالمياً لا تحيط به حدود، بل إنه يجعل كل شأن ظرفي محدود موصولاً بالأزلي المطلق فيتجه لتجاوز الخصوص إلى العموم والمحلية إلى العالمية ويمتد إلى كل أبعاد الوجود الإنساني، كونه تحريراً يثير في علاقات المؤمنين بغيرهم دواعي الاستقلال والأصالة بل دواعي المقاومة والمجاهدة لحماية ذلك الاستقلال، وكونه توحيدياً يطرح مسائل الدعوة بالكلمة البالغة والقدوة المنصوبة لتوسيع رقعة البشر المتحدين بالإسلام لله.
1 – الاستقلال
الجماعة المنتمية إلى ملة الإسلام أمة من دون الناس. فإذا تحيزت في أرض وتوالت في نظام سلطان تشكلت دولة وجب الدفاع عن حرماتها وحماية القيم السائدة فيها من أي عدوان دولي. وقد تمتد الأمة المؤمنة إلى مؤمنين وراء حدود الدولة، ولكن عهد الموالاة والمواطنة لا يمتد إليهم ومهما كانت لهم حقوق في المناصرة فإنما هي وقف على التزامات الدولة العالمية. وتنشأ الموالاة في الدين ثم الموالاة في الوطن أحكام وأوضاع في العلاقات الدولية لحماية الدين والأرض من كل علاقة تضر بخصوصيات المجتمع المتميزة وأصالة توجهه أو تنتهك حرمة أقاليمه.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).. (آل عمران 149).
(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ).. (الأنفال 72 – 73).
2 – وحدة المؤمنين
حيثما اقتصرت الدولة الإسلامية على بعض الأمة أو وقع تعدد في الدول الإسلامية، تنشأ أحكام تنظم بين الولاء للأمة والولاء للكيان الوطني المسلم وبين الالتزامات التي يقتضيها هذا وذاك، كما تنشأ أحكام تنظم العلاقة بين الكيانات الإسلامية ذات السلطان المستقل رعاية لوحدة الأمة. فالعلاقات بين الدول الإسلامية توجهاً نحو الوحدة وسعياً إلى الصيغة المثلى لقيام كل المواطنين بمركز ولاء سلطاني واحد والعلاقة بين الدولة المسلمة وجماعات المسلمين المستضعفين أو المحترمين في إطار كيانات سياسية أخرى، بل المواقف إزاء الدولة والكيانات الأخرى حسب قربها أو بعدها بمعايير الإيمان التي تجمع المسلمين، أو معايير المصلحة التي تهم الدولة المسلمة، والعلاقة بين الجماعات الملتزمة بالإسلام التي يفصلها الوجود في مجتمعات وبيئات شتى متخلفة عن الإسلام أو غير مسلمة أصلاً، أو بين تلك الجماعات ودول إسلامية وقوى أية دول غير إسلامية، كل تلك العلاقات العالمية تثير قضايا تهدي فيها أحكام الفقه:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).. (آل عمران 104 – 105).
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).. (الحجرات 9 -10).

خاص المجهر

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *