زواج سوداناس

في صالون «ألوان».. كانت لنا أيـــام


شارك الموضوع :

«أ»
لماذا تحاصرنا هذه الوجوه والذكريات، مثل الغيوم المسهدة وأسراب العصافير الملونة، ترقب وتراقب شعاع الشمس مراقبة المشوق المستهام، تشدنا إليها كمرساة سفينة رست على ضفاف بعيدة؟ تشبه نفحة ياسمين دمشقي.. وكما قال نزار قباني:
الياسمين الدمشقي
له أظافر بيضاء
تثقب جدار الذاكرة
تهمي عنيفاً كل يوم كمطر إستوائي متوحش لا يمل الهطول ولا يخف هديره ورعوده وزئيره، يردد الغاب والدغل الكثيف والآجام والآكام صداه وكأن برقاً يشعل ناره في السموات نازلاً على الفلوات.
كثير من الوجوه تغيب، تتلاشى كخيوط من دخان وراء سارية العمر المرتفعة، وترتجف راعشة خلف غبار الحياة ثم تذوب كشمعة يتيمة تبكي ليلها النازف.
لكن هناك وجوهاً لها ندى الصخور، تمر الأيام والدهور وهي باقية كالوشم على ظاهر اليد أو كالمحو على وجه البدر المنير، مهما جرت السنوات خلفها لا تتوقف في محطاتها فتمر مرور السهام تتقدمنا وتنتظرنا عند كل منحى وشعاب وركن وحديقة ورابية من روابي عمرنا القصير.
«ب»
عند بداية النصف الثاني من الثمانينيات من القرن الماضي، في خريف يوليو 1986م، بخطى قلقة وخطوات مضطربة، صعدنا سلم عمارة كانت أنيقة وجميلة في قلب الخرطوم، كانت الشقة نظيفة هادئة، جدرانها مرايا، وحيطانها كوجه أميرة مغولية حزينة أطلت من خزفيات القرون الوسطى ومن ثريات سقف العالم من أقصى الشرق وسحره نحو الغرب. صالة كبيرة وثلاث غرف صغيرة وحمام واحد وشرفات ضيقة تطل واحدة على شارع الجمهورية والأخريات تلامس مئذنة مسجد فاروق «أرباب العقائد» وتنصت للأذان كل حين وميقات. كانت هذه الشقة تحتضن صحيفة «ألوان» عام 1986م، وهي مثل زورق رشيق في لجة وتلاطم الموج الديمقراطي للفترة الحزبية الثالثة في البلاد، وشرخ الشباب كأغصان اللبلاب الخضراء والقلب كذلك «أخضر في ريعان شبابو» كما كتب كجراي لمحمد وردي في «مافي داعي تقولي مافي». دلفنا لننقش على حجر الضوء أعمارنا، كانت الصحيفة يومئذٍ قليلة العدد محدودة الأقسام والمحررين، تجمع المواد على ماكينة الترميستار اليدوية وتخرج المواد المصفوفة على شكل شريط ورقي طويل، ثم يأتي الإخراج الصحفي على ورق الماكيت بقطع المواد الصحفية ولصقها بحسب تصنيفاتها وأحجامها بمادة «البوستك» اللاصقة، وتحدد الخطوط والفواصل والرسومات بقلم الروترينج الذي يكون عادة بحجم سنة القلم المستخدم، وتتلاقى المساطر والمقصات وتسمع طقطقة شفرتي المقص عند أي مصمم، وأذكر منهم لقمان وعمر كمرة، وصوت غناء خفيف وخفيض وعال. هذا قبل دخول نظام الحاسوب من الجيل الأول «سي. أر. ترونيك» وورقه الأسطواني، وجاء هذا ليهيل التراب على الآلة الكاتبة التي تذهب مع هذا الجهاز إلى جب التاريخ بعد ذلك بسنوات قليلة.
«ت»
كان الأستاذ الكبير حسين خوجلي في مطلع الثلاثينيات من عمره، كل شيء عنده في عنفوانه، أفكاره وكلماته وانفعالاته ونشاطاته وحماسته الكبرى ومقالاته الساخنة بدرجة حرارة الاصطراع السياسي حينئذٍ، يجلس على طاولة مكتب ضخمة سوداء اللون في صالة التحرير التي تتوسطها طاولة اجتماعات دائرية الشكل تسع لأكثر من ستة عشر شخصاً، ولم تكن هناك سكرتيرة لرئيس التحرير ولا مدير مكتب، يتشارك معه هذه الطاولة ويجلس عليها في غيابه نائبه، وهو شاب هادئ قليل الكلام نابه الفكرة عميق التفكير مطرق دائماً للمعاني وتجليات الأفكار، هو محمد عوض البارودي، وكان حديث التخرج في الجامعة يمتلك ذائقة أدبية ويؤمن برغم دراسته القانون بأن قضايا الحياة تعالجها المناهج الفلسفية، وكان بارعاً في اختيار عناوين الأخبار وله حس صحفي شديد الدقة والحصافة.
أما مدير التحرير الذي وجدناه، فقد كان شاباً متقد الذهن دافئ الود والصلات، هادئ بسمت المفكرين والمثقفين الكبار، يطرح آراءه وأفكاره بهدوء وصبر عميق الصوت، واضح النبرات هادئ القسمات شديد الثقة في النفس متواضع لا يشعرك بأنه يتفوق عليك رغم معرفته الموسوعية فهو بلا ادعاء ولا تزيد وتزييف، يناقش معك التفاصيل الدقيقة والمعلومات في أية مادة صحفية ليستوثق ويحلل ويراجع، كان هو محمد محجوب هارون وقد تخرج في تلك الأيام من قسم علم النفس في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، وعين حديثاً معيداً بالقسم، واختار مهنة الصحافة بجانب التدريس في الجامعة.
وكان قد انصرف قبل أن ندلف لـ «ألوان» في تلك الايام أمين حسن عمر ومحمد طه محمد وبابكر حنين بعد تأسيس صحيفة «الراية» لسان حال الجبهة الإسلامية القومية، وغادر قبل مجيئنا المحبوب عبد السلام ليكون طالباً للدراسات العليا في جامعة السربون في العاصمة الفرنسية باريس.
«ث»
وفي المكاتب الصغيرة وصالة المحررين، كانت الصحيفة عبارة عن خلية نحل صغيرة، وسلة من سلال الورد والإبداع، يجلس في ركن قصي عادل الباز رئيس قسم التحقيقات، شاب محب للصحافة والمجادلات الفكرية والثقافية «يشخبط» بقلم بك على ورق الجورنال بخط لا يقرأ فتقرأ في اليوم التالي على الصحيفة ما يدهش ويفغر الفاه.. وكان يكثر من مجادلات جاد كريم عبد القادر الفكرية والسياسية وحول مقالاته عن الحزب الشيوعي والعلمانيين.. وعلى مقربة منه صديق لدود، شاب قلق ممتلئ بالإبداع والثقافة والفن، على منصة التخرج في معهد الموسيقى والمسرح هو أبو القاسم قور حامد ابن المسيرية الذي لم تغيره الحكومة في ذلك الأوان، إما أن يتحدث بإنجليزية رصينة أو حديث بلهجة البقارة وتوصيفاتهم الساخرة اللطيفة، وعلى طاولة أخرى يجلس رجل ذو سمت غريب، لا يتكلم كثيراً رزين الحركة والنظرات، لديه حقيبة ضخمة تحتوي على قصاصات من صحف ومجلات ومجموعة هائلة من الصور الفوتغرافية يقضي يومه في تجمع المقطع وترتيب المجزأ ليصدر صفحة المنوعات.. هو صلاح التوم من الله.
وكان الوليد مصطفى عبد الرحمن الذي سبقنا بفترة قصيرة مسؤولاً عن قسم الأخبار، أيام كانت للأخبار مصادر مختلفة، وبعضها يجمع كتابة بخط اليد من النشرة الورقية الموضوعة على طاولة قسم الأخبار الداخلية بوكالة السودان للأنباء في عهدها الذهبي.. وقبله تولى رئاسة هذا القسم الصحافي المظلوم حسن أدروب.
ويمر كالسحابة المثقلة بالمطر، شاب لطيف يحمل مقالات أدبية وكان مسؤولاً عن الصفحة الأخيرة، كان حسين خوجلي يلاطفه بأنه آخر شخص شلخ في السودان، أديب لو قُدر له أن يعيش لصار من كبار الأدباء الشعراء في العالم العربي، وحجة في الشعر والأدب، وجدناه في تلك الأيام بجانب حفظه لعيون الشعر العربي يحفظ ديواناً حديث الصدور لعبد القادر الكتيابي «رقصة الهياج» هو الشهيد علي السنجك الذي استشهد في البوسنة والهرسك مطلع السنوات التسعين من القرن الماضي مع ثلة من الأخيار الصادقين.
وفي ركن أشبه بفنارة عتيقة اتخذت هيئة حلمنتيش العليا متكأها، د. أحمد الأمين «المتجهجه الأممي» ومهندس الطرق رأفت بتيك «شبرا الغلباوي» ومختار حسن الكاريكاتيرست والرسام البارع وآخرون، والكاريكاريست المبدع عزيز، وكان هناك أخطر مخبر صحفي غائص حتى أذنيه في الأسرار وأخبار عالم المخابرات والتجسس العالم السري «زين العابدين عباس» وعمر محمد الحاج وعمر محمد الحسن الكاهن، وكان هناك عمر بشير الأديب والمتصوف المهذب.. وكان درة تلك الأيام رفيق المهنة في بداياتنا الأول جمال الشريف علي ابن كتم بشمال دارفور، وكان طالباً بجامعة الخرطوم وصحافياً في ذات الوقت، والصحافي الذي فقدته الصحافة لغير رجعة محمد حسين خضر، ومجدي عبد العزيز الفكي الذي كان في مطلع العشرينيات من العمر وبحماس كبير دلف لعالم الصحافة، وخالد محمد عمر، وكان معنا الناقد المسرحي شمس الدين يونس الصديق الحميم لقور، ولم تبخل «ألوان» يومئذٍ بفرص ثمينة لمبدعات حقيقيات وصحافيات فارقن المهنة الآن.. نوال قاسم أحمد التي عملنا معاً في يوم واحد، وآمنة إدر من بنات القطينة وانتصار الرشيد من زهرات أم درمان ومنى عبد الله إسحق ورشيدة أحمد الياس.. وآمال عبد الحليم ومحاسن وآمنة في الحسابات..
«ج»
ويوجد قسم كبير للأرشيف فيه صناديق ورفوف تشبه صناديق البريد، يقف عليه فيصل آدم، وتوجد فيه كل صور السياسيين والفنانين والعلماء والنظار والعمد وأهل الصوفية والمبدعين والرياضيين وغيرهم، منسق ومنظم نظاماً فيه نظام دقيق لأرشفة الصور.
والقسم الفني يضج بقفشات محجوب الشريف والطريفي وحسان ودشين ومجدي الصادق والهادي الأمين وماجد ونزيه حسن الكاريكاريست وكمال علي، وكثيرون غابوا عن المشهد الصحفي اليوم وهاجروا للبلاد البعيدة، والمصورون حسن مهدي وحسن عثمان وهشام كمال والساعي وليم.
ومن الإداريين بيومي وآدم فضل آدم وعبد العظيم مصطفى البدوي وابن ياسر عبيد الله.
وبعد أشهر من دخولنا الصحيفة جاء إلينا أستاذ الكيمياء عبد الإله أبو سن من القضارف ككاتب بالصفحة الاخيرة ورئيس للقسم الرياضي، وشاعر يمد حروفه إلى قلب البطانة وأهله الشكرية، وأحمد عبد الوهاب وعصام عثمان السيد وحسن جبورة وخالد فتح الرحمن الفتي الشاعر الذي قدم حديثاً من المملكة العربية السعودية يحفظ شعر المتنبي وإغاني أم كلثوم، وأشرف خليل شريف الذي اختار المحاماة على الصحافة، وياسر محجوب الحسين وحسن إبراهيم البشير وحاتم محجوب وعصام جعفر والشيخ يوسف والدكتور الشمباتي والدكتور كمال حنفي وصديق البادي وعبد المنعم عبد القادر عبد الماجد والشاعر الكبير علي محمد ياسين وبروفيسور حيدر خوجلي وود الكمن والإداري البارع علي العطا.. وبكري ويوسف وآخرون لنعذر في نسيانهم..
«ح»
وكان يأتينا ونتحلق حولهم رواد الصحافة في السودان، يجلس محمد الخليفة طه الريفي بخلقه الرفيع وتواضعه الغريب يتحدث بصوته الخفيض عن تجربته وآفاق العمل الصحفي، ثم يقدم مقالاته وصفحة «وأنا ماشي» وينصرف كالنسمة.. ويثير محمود أبو العزائم ورحمي سليمان ضجة كبرى لدى قدومهما ضحكة هنا وتعليق هناك، ثم حوار عاصف ينتهي بضحكات مجلجلة وتعليقات بالإنجليزية المتقنة من رحمي ثم ينصرف.. بينما يظل أبو العزائم يكتب بخطه الأنيق مقاله ويضع نظارة ويرفع أخرى… كأنه عملاق خرافي تدلى من دنيا الأساطير.
«د»
وقد لا يتذكر حسين خوجلي صحيفته وصالونه ذاك عند منعرج السنوات الثمانين في نسخة «ألوان» الأولى التي ملأت يومها الدنيا وشغلت الناس، هل يتذكرها كما نتذكرها نحن؟ والصحافة قد تغيرت والنفوس تبدلت وتفرقت بالناس السبل، وأصبح كل في طريق.. ولم يعد في العمر ما يكفي لجمع الشتيت بعد افتراق.. لكنها كانت أيام.. على طريقة أنيس منصور في كتابه الممتع «في صالون العقاد كانت لنا أيام».

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *