زواج سوداناس

ارتفاع الدولار… القصة الكاملة لمعاناة الجنيه 2



شارك الموضوع :

المتتبع لمسيرة الجنيه السوداني يجده يخرج يومياً من غرفة عناية إلى عناية أخرى مكثفة، وفشلت كافة محاولات أطباء الاقتصاد في إيجاد وصفة لاستئصال الداء من جذوره، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي لشعب ظل يعاني من كل شيء. وظلت سياسات إنقاذ الجنيه التي تبذلها الجهات ذات الصلة تتسبب في أمراض أخرى بالإضافة إلى المرض الحقيقي المتمثل في تضخم الاقتصاد وارتفاع الأسعار.

إذًا ما هي الخفايا والأسرار التي تتسبب في هبوط العملة المحلية (الجنيه)، مقابل الدولار في السوق الموازي والسوق الحر، ولماذا يهلل القائمون على أمر الدولة بحضور الودائع الخليجية لتسهم في ارتفاع سعر العملة المحلي؟ وكيف لتصريحات إعلامية فقط أن تتسبب في ارتفاع سعر الدولار، وهم ديناصورات الدولار الذين يعبثون حتى (بقدرة فول) المواطن المسكين، وهل ما يقوم به الأمن الاقتصادي وحده يكفي لمحاربة هؤلاء.. كل هذه الاستفهامات وضعتها (الصيحة) في محل التقصي، والتحقيق مع الخبراء المعنيين، فهذه الأيام بلغ الدولار الأمريكي قمة لم يبلغها من قبل في السوق الأسود، حيث وصل بحسب استطلاع أجرته (الصيحة) وسط سماسرة العملة المنتشرين وسط السوق العربي بالخرطوم والذين يسبحون بعبارة (صرف صرف) ملوحين بمبالغ مالية أو يشيرون إليك بأطراف أصابعهم، مع عبارة صرف صرف، وعلمت (الصيحة) منهم أن سعر الجنيه مقابل الدولار بلغ (10,10) للشراء و(10) للبيع في سابقة انفخاض للجنيه لم يشهدها الاقتصاد السوداني من قبل.

اقتصاد أم سياسة

في هذه الحلقة من سلسلة الدولار تتناول (الصيحة) متناقضات السياسة مع الاقتصاد، وهذه المتناقضات كانت جزءاً كبيراً من الخلل الاقتصادي وربما تتمثل فى الأشخاص الذين يؤكل لهم عجلة الإقتصاد والتنمية فى الغالب لا علاقة لهم بالإقتصاد لامن قريب ولا من بعيد كما يقول المثل.

فمثلاً سياسة التمكين التي انتهجتها الدولة في تسعينيات القرن الماضي ربما تكون أثرت بشكل مباشر على الأداء العام في القطاع الاقتصادي. ويقول الصديق د. جمعة مختار أستاذ اقتصاد، إن الدولة جهلت بشكل كبير عبارة (أدي الخبز لخبازه)، وأشار إلى أن كثيراً من السياسات والقرارات الإقتصادية يغلب عليها الطابع السياسي، ولفت إلى أن السياسات العامة نحو استقرار سعر الصرف والاستيراد والتصدير كان لها نصيب كبير من الخطأ وأن غالبية القرارات كانت لها علاقة بنافذين وتجار لهم مصالح في تلك القرارات، مشيراً إلى منع استيراد العربات المستعملة مثلاً قال كان له دور كبير في تدمير قيمة الجنيه موضحاً أن العربات المستعملة لا تزال تدخل بطريقة وأخرى. وأضاف جمعة أن التسعينيات شهدت تحريم التجارة بالدولار وتم إعدام شاب يدعى مجدي وفي خلال شهر أو أقل من ذلك أصدرت الدولة قرارًا قضى بتحرير الدولار، متسائلاً عما إذا كان هذا القرار سياسياً أم اقتصادياً وأضاف أن كثيراً من القرارات المرتجلة والتي ساهمت بشكل مباشر في تدمير الاقتصاد بدلاً من أن تنعشه.

كمصدر للقيمة

د. محمد الناير أبدى ملاحظة منطقية ذات علاقة بمعالجة الوضع الذي يعاني منه الجنيه، وأشار في حديثه مع (الصيحة) إلى ضرورة أن يستخدم الدولار كمصدر للقيمة. وشرح الناير العبارة الاقتصادية كالآتي: أن لا يحتفظ الناس بأموالهم كدولار بل يستخدمون العملة المحلية حتى لا تتناقص قيمتها، هذه الخطوة بالإضافة إلى أن استخدام عائدات الصادر وحدها كفيلة بحل الأزمة على المدى القريب.

الناير وضع ثلاثة حلول على المدى القريب والمتوسط والبعيد، واسترسل في حديثه قائلاً: على المدى القريب وفي هذه الظروف يمكن أن تعمل الدولة على توفير احتياطي مقدر من النقد الأجنبي وضخ كميات كبيرة مقدرة لتلبية احتياجات السوق من النقد الأجنبي وهذا ما لم يتم فعله في الفترة الماضية نسبة لتعرض السوق لصدمة كبيرة بعد انفصال الجنوب عقب استنزافه لعائدات النفط. ولفت الناير إلى أن الدولة حاولت أن تعوض هذا الاستنزاف من عائدات الذهب إلا أنها لم ترفد السوق بقيمة مقدرة.

محاربة السوق الأسود

مجهودات كبيرة يبذلها الأمن الاقتصادي لأجل محاربة تجارة العملة، وذلك من خلال مداهمات والقبض على التجار عبر الكشات، ولكن يبدو أن المحاربة بآلية واحدة لم تجد فتيلا خاصة وأن الأمن ظل يقف على هذه المراقبة من سنوات ولم يسجل الجنيه فى الفترة الفائتة اي حالة تحسن أو انتعاش.

ويتفق د. الناير في هذا الصدد بالقول إن الجوانب الأمنية وحدها لا تكفي لمحاربة السوق الأسود مطالباً بتوفير سياسات أخرى تكون أكثر فعالية بالإضافة إلى جانب الإجراء الأمني. وختم حديثه قائلاً: الحل الأنجع يكمن في زيادة الإنتاج والإنتاجية وهي تعني زيادة إنتاجية الفدان التي من شأنها أن تقلل تكلفة الإنتاج وتسهم في خلق وفرة وتقلل من حجم الواردات وتزيد حجم الصادر وهذا ما يحقق استقراراً مستداماً.

الإنتاجية المطلوبة

الصحافي عاصم إسماعيل كان له بعد آخر فيما يتعلق بالإنتاجية المطلوبة والتي تتمثل بحسب رأيه في إنتاجية من نوع آخر هي ليست متوفرة حتى الآن في البلاد، وقال إن البلاد تعاني من أزمة إنتاج.. إنتاج من نوع التصدير الذي يستوعبه الصادر وأضاف إن الإنتاجية في كافة مجالاتها الزراعية والصناعية والحيوانية لا تواكب التطورات في السوق العالمي، ولاحظ عاصم أن غالبية صادراتنا تذهب للخارج وتأتي معلبة من جديدة بأسعار أعلى من الأسعار التي تم تصديرها فمثلاً الكركدي يتم تصديره ويأتي معلباً في أكياس تتناسب مع الحاجة العالمية ، داعياً إلى ضرورة ترقية وتوسيع الإنتاج على أساس الصادر إذا أراد الناس تحقيق توازن اقتصادي يساهم في انتعاش العملة المحلية.

روشتة عاجلة

الروشتة العاجلة لانتعاش الجنيه ربما تكون في الاستفادة من الانتعاش في العلاقة ما بين السودان ودول الخليج.

ويقول د. الناير إن البلاد يجب أن تستفيد من تحسن العلاقات مع دول الخليج والتي لها فوائض كبيرة وهي لا تزال تتمتع بإمكانات وقدرات كبيرة وما يحتاجه السودان من نقد أجنبي لم يكن كبيرا، مع إمكانيات تلك الدول، ودعا السودان للاستفادة من ذلك الفائض عن طريق القروض والمنح أو الودائع.

أما الروشتة الأخيرة للناير فقد أجملها في الاستفادة من تحويلات المغتربين، وأوصى بضرورة إعادة الثقة في استثمارات المغتربين والذهاب إليهم في دولهم وإقناعهم باستثمار أموالهم في بلادهم بدلاً من إيداعها في بنوك أجنبية، ومن المفترض أن تأتي في شكل ودائع أو قروض أو منح أو استثمار مباشر.

كل هذه الأشياء تدعم الجنيه السوداني وتقلل من الفجوة بين السعرين. وأشار الناير إلى قرار صادر قبل أعوام من بنك السودان يوصي بضرورة الاستفادة من أموال المغتربين من خلال تشجيعهم ومنحهم فوائد استثمارية.

قصة أخرى

قصة أخرى من معاناة الجنيه تضمنها تقرير الأداء المالي والاقتصادي للنصف الأول من العام 2015م، واستهل التقرير الذي تحصلت عليه (الصيحة) مقدمته بعبارات اقتصادية مثالية أن تم إنجاز 20% فقط منها لنافس الجنيه الاسترليني في عقر داره. ومن ضمن هذه العبارات العمل على إعادة تحقيق الاستقرار الاقتصادي عبر سياسات مفادها ــ ترشيد الإنفاق الحكومي ــ وخفض الإنفاق الجاري ــ الصرف على مشروعات التنمية الاقتصادية الإستراتيجية ــ توظيف عناصر الإنتاج ــ زيادة الإنتاج والإنتاجية ــ تحسين مستوى المعيشة للشرائح الضعيفة ــ تنظيم الاسواق ــ جذب الاستثمار الأجنبي.

قرأت هذه المقدمة في استهلال تقرير الداء فعندما طابقت الأداء العام للوضع الاقتصادي لم أجد شيئاً على أرض الواقع، فاستثمارات المغتربين جميعها تصطدم بالاجراءات البروقراطية، وعناصر الإنتاج لم يتم توظيفها على الوجه الأمثل وعملية تحقيق الاستقرار الاقتصادي بالطبع لا تتم من خلال تقارير في وادٍ وأداء في وادٍ غير ذي رزع.

توغلت إلى داخل التقرير فالمصيبة كانت أكبر لأن الإنفاق الحكومي شمل الاتهام بمسائل لا علاقة لها بالأداء والتطور الاقتصادي فجميعها كانت من نصيب صيانة الطرق والكباري وإنشاء الإنفاق وأغلقت جميعها عملية تطوير الحرف والتصنيع والتطور الزراعي الذي يعتمد عليه الجنيه في انتعاشه بعد خروج النفط من دائرة الإنتاج.

الاستثمارات الأجنبية

بالطبع فإن البلاد تمتاز بمزايا نسبية غير متوفرة لكثير من دول العالم المتقدم، والتي تتمثل في الأرض والماء والقوة العاملة، ولكن يبدو أن الاستثمارات الأجنبية خاصة الخليجية ضلت طريقها إلى أندية كرة القدم في أوربا.

ويبدو أن الأزمات الأمنية في كل من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ألقت بظلال سالبة على عافية الاقتصاد الوطني، وبما أن الدولة لا تزال تنفق على التسليح والإمداد الحربي، إلا أن زيارة الرئيس الأوغندي يوري موسفيني ربما تكون بادرة حسنة في إخماد تلك التوترات، بالإضافة الى استقرار الأوضاع الأمنية فى جنوب السودان، وهذه الجوانب السياسية ذات ارتباط وثيق بعافية الجنيه أمام الدولار، حتى تتوفر ضمانات الاستثمار الأمني والسياسي والاقتصادي بالإضافة إلى ضمانات أخرى تتعلق بالنظام المصرفي القائم في البلاد.

الحصار الاقتصادي

ويرى مراقبون أن الاقتصاد كالجسد فدائماً ما يتأثر بأغرب الأشياء، ولذا لم تعِ الدولة طوال ربع قرن من الزمان أن سياساتها الخارجيه ذات ارتباط وثيق بعملية الاستقرار الأمني والاقتصادي، فكثير من الإخفاق السياسي والدبلوماسي انعكس سلباً على الاقتصاد، فالحصار الاقتصادي الذي قصم ظهر الجنيه، فمنذ التسعينيات تم وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وذلك من خلال سياسات ومشاريع غير منطقية تراجعت عنها الدولة أو الحزب الحاكم بمرور الزمن، فشهدت التحالفات تحولاً من المحيط إلى الخليج .

شائعة بالدولار

ووقفت الصيحة ميدانياًعلى سوق المضاربات حيث بدا أن الشائعة سعرها بالدولار في حين أن مشروعاً زراعياً كاملاً يمكن أن يحصد الفشل والعدم لصاحبه، وذلك بسبب السياسات التي تدير عجلة الاقتصاد في البلاد.

فمثلاً الشائعات أحياناً يطلقها التجار بواسطة السماسرة، وللسمسار طبعاً نصيب في إطلاق الشائعة. وتطلق الشائعة أحياناَ عندما يرغب التجار في خفض سعر العملة الأجنبية مقابل الجنيه وذلك عن طريق إطلاق الشائعة ومن ثم يصدق أصحاب العملة أن الدولار في طريقه للهبوط فيعرضون ما يملكون من دولار تفادياً للخسائر الكبيرة وحينها يخرج التجار أصحاب الشائعة لالتهام ما يجود به السوق بواسطة السماسرة المنتشرين على حافة شارع البلدية.

مقارنة بسيطة لهذه الشائعة مع مشروع أحد أبناء الجزيرة الذي استزرع بتمويل شخصي ألف فدان من البصل بتكلفة بلغت أكثر من مائتي مليون جنيه، فلما حصد إنتاجه واجهته ظروف غريبة على حد قوله.. وقال محمد حسين إن الضرائب التي دفعها إلى جانب الزكاة، والقبانة، ورسوم العبور، والموية، والمكتب، ومسميات أخرى لم يذكرها قال إن جملة حصاده تصادف مع هبوط أسعار البصل فقال إن كل الإنتاج لم يعوض نصف الخسائر، فترك محمد حسين الزراعة وعاد يعمل سمساراً للدولار بشارع البلدية وأحياناً للعربات بدلالة المرديان.

هذا الجانب قد يوضح بجلاء أن السياسات العامة للدولة تسهم بقدر كبير في امتداد رحلة معاناة الجنيه بحيث أنها لا تشجع على الإنتاج وإنما تدفع الناس بشدة نحو السمسرة في العاصمة القومية.

ملحوظة: الصيحة في رحلة معاناة الجنيه اكتشفت أن (حرفة السمسمرة، وحدها تتطلب سلسلة تحقيقات منفصلة، وذلك لما فيها من ممارسات واحدة منها كفيلة بانهيار البلاد وليس الجنيه فحسب).

 

 

الصيحة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *