زواج سوداناس

منى عبد الفتاح : الحوار السوداني عند العقبة



شارك الموضوع :

وقف الحوار السوداني عند العقبة، مقاربة للمثل الشهير، بسبب عجز الأفهام عن إدراك المعنى الواضح من “الحوار” لغةً واصطلاحاً، أو ما أراد أن يوصله إلينا القائمون على أمره، منذ عُقدت النية على حلّ مشكلات السودان. لا تنطبق التسمية، في حد ذاتها، إلّا إذا تحققت شروط الحوار التي تلزم وجود جهتين، ترغبان التوافق على أمرٍ ما، فقد أضحى الحوار، بحاله الراهن، أشهر من كل ما جاءت به أبجديات السياسة السودانية في عهد نظام “الإنقاذ”، حتى تلك اليسيرة الفهم.
مثّلت انطلاقة مؤتمر الحوار الوطني في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، والمستمرة ثلاثة أشهر، حدثاً بارزاً في مسار التسوية السياسية في السودان. وورد في أهداف الحوار، الموضوعة مسبقاً منذ أن دعا إليه الرئيس عمر البشير قبل عام ونصف العام، أقل ما يمكن وصفها به أنّها للاستهلاك المحلي، وموجهة للمنضوين تحت لواء النظام. فماذا تعني في شريعة “الإنقاذ” أهدافٌ، مثل التأسيس الدستوري والسياسي الذي ينشئ دولة عادلة وراشدة، أو التوافق على دستور وتشريعاتٍ تكفل الحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية، أو حتى التوافق على قيام انتخابات عادلة ونزيهة، تحت إشراف مفوضية مستقلة؟
في الضفة الأخرى، تغرّد قوى المعارضة خارج السرب، على الرغم من أنّ مطلوباتها للحوار، والتي تبدو أقرب إلى التمني بعيد المنال، تلتقي، بشكلٍ ما، مع أهداف الحكومة غير المتحققة. والمطلوبات هي: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، كفالة الحريات السياسية والتأمين الكامل على حرية التعبير والنشر، وضع الضمانات اللازمة لحملة السلاح للانخراط في الحوار مع وقف شامل لإطلاق النار.
وبينما تحججت الحكومة برفض القوى الخارجية، وأكدت على ضرورة الحوار الداخلي، توجهت المعارضة، من جهة أخرى، صوب هذا الخارج المرفوض، المتمثل في لجنة الحكماء التابعة للاتحاد الأفريقي، ما صنع عقبة جديدة تُضاف إلى باقي العقبات في طريق الحوار.
كان الرئيس البشير مستعداً لتمزيق أية قراراتٍ ‏تصدر عن مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم الأفريقي، تفرض عليه نقل الحوار الوطني إلى خارج السودان، أو تعمد إلى إزاحته عن رئاسة الحوار. ‏ولكن، كفى الله المتحاورين شرّ هذه القرارات، بغياب قوى المعارضة التي كان من شروطها الإشراف الدولي على الحوار. وما كان من ثابو أمبيكي رئيس آلية الوساطة الأفريقية للنزاع في السودان، رئيس جنوب أفريقيا السابق، بعد أن علم بإصرار الرئيس البشير على الاستمرار في مشروع الحوار، بحضور المعارضة أو غيابها، إلّا أن طالب مجلس السلم والأمن الأفريقي باتخاذ خطوات عاجلة لتسهيل وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب وضمانه.
لم يرتقِ هذا اللقاء التفاكري إلى مرحلة الحوار الجامع، لأنّه تم بين قوى سياسية متوائمة مع
“ما زال تحالف المعارضة السودانية يكرّر أنّه لن يجلس إلى حوار يقوده حزب المؤتمر الوطني، مؤكداً تمسكه بشروطه، والتي منها وقف الحرب، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين” بعضها، في مقدمتها النظام الحاكم، ومن كانوا تحت جناحه. افترق الشتيتان إلى حينٍ، عقب المفاصلة الشهيرة عام 1999، والتقيا بعد أن ظنّا ألّا تلاقيا، رجوعاً إلى بيت الطاعة الإنقاذية، مرة أخرى.
تنادت من قبل الحكومة والقوى السياسية المختلفة معاً إلى الحوار، بنية توافر شروطه، على الالتزام بمستحقاته، وفق إجراءات وخريطة طريق واضحة، وجو سياسي صحي يضمن حرية التعبير. وفي منتصف الطريق، تراجعت الحكومة مبديةً زهدها في الأطراف المتحاورة.
تلوح بوادر مبادرة أميركية، أعلنها القائم بالأعمال الأميركي، جيري لاينر، لأمانة الحوار الوطني، بأنّه سيتصل ببعض الحركات المسلحة الرافضة، وجمع آرائها وتوحيدها لإلحاقها بالحوار، بالإضافة إلى مساعدات لوجستية أخرى. وقد بدأ التلويح بهذا الخبر، لإيهام الداخل الذي بدأ ينتبه، أخيراً، إلى أنّ المعارضة عميلة وتستنجد بالخارج في فرض أجندتها. كما أنّ ثابو أمبيكي، على الرغم من ميله إلى الحكومة السودانية في جلسات حوار سابقة كثيرة، إلّا أنّه لم تكن له الجرأة في إعلان ذلك، فبدا للفريقين وكأنّه محايد تماماً، والحكومة تطمع في أكثر من ذلك لتجيير موقفها.
لا يبدو أنّ هناك تعويلا كبيرا من الشعب السوداني على قوى المعارضة المكونة من الأحزاب السياسية. فبينما يكون من المتوقع أن تعمل هذه المؤسسات على رفد القيادة السياسية بالعناصر ذات الكفاءة، وتنمية الوعي السياسي، واجتذابها من دائرة السلبية إلى دائرة الإيجابية، وتعزيز روح المشاركة السياسية لديها، فإنّ وضعها، من حيث الضعف، انعكس مباشرة على البناء السياسي برمّته.
ما زال تحالف المعارضة السودانية يكرّر أنّه لن يجلس إلى حوار يقوده حزب المؤتمر الوطني، مؤكداً تمسكه بشروطه، والتي منها وقف الحرب، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. ولكن، جاء وعيد القيادي في الحزب الشيوعي السوداني، صديق يوسف، أنّه إذا لم يقبل “المؤتمر الوطني” بشروط التحالف، فإنّه لن تكون هناك طريق آخر غير إسقاط النظام. أما عن الندوة المزمع عقدها اليوم، 21 أكتوبر/ تشرين الأول، تخليداً لذكرى ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964، والتي أطاحت نظام الفريق إبراهيم عبود العسكري، فالخوف، كل الخوف، من أن تكون مثل مبادرة السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني السابق، محمد إبراهيم إذ عندما وصل في الموعد المقرّر للقاء الجماهيري نظمت له قوى المعارضة في ميدان أبوجنزير، لكنه لم يجد القيادات، ولا الجماهير، فكتب لافتته الشهيرة، قبل أن يغادر، وفي حلقه غصّة: حضرتُ ولم أجدكم.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *