زواج سوداناس

منى عبد الفتاح : وتسمو الكتابة



شارك الموضوع :

هل تمثّل الأحداث المتتابعة منبعاً ينهل منه الكاتب، ومعيناً لا ينضب ما دامت تصطدم فوق رأسه وتصطك فيما بين يديه فارّة من بين الوسائط الإعلامية المتعددة، تُلقي كل واحدة منها بآخر ما توصلت إليه في سلسلة لا تنقضي، ولا تعرف ليلاً من نهار ولا ساعة سكون أو استرخاء؟ أم أنّ الأحداث الكثيرة والمتشابكة تؤدي إلى اضطراب الخيارات ووقوف الكاتب بقلمه محتاراً وسطها.

قد يلاحظ القارئ أنّ هناك كتّاباً وضعوا أنفسهم بجدارة أمام هذا السؤال، فكان مشروعهم المدهش في تحدي عدم الانكفاء أو التردد في تناول الأحداث حسب أهميتها ومن زاوية يقدّرها الكاتب جيداً. قد تكون هذه الزاوية في مخيلة غيره من كتّاب أو قرّاء ولكن الشروع فيها يختلف حين يجيب الكاتب بطريقته الخاصة بشيء من الحيرة وبحقائق مخلوطة بخيال خاص يحاول أن يتجاوز به عقدة الاختيار ما بين الكثير والمثير، وبين ما هو جدير بالتناول وما لا يستحق.

يتبادر إلى ذهني الآن ما قاله غابرييل غارسيا ماركيز مرّة في مؤتمر تحت عنوان (كيف بدأت بالكتابة): “وظيفة الكاتب ربما هي الوظيفة الوحيدة التي تبدأ صعوبتها عند ممارستها. وماركيز يتحدث عن نوع آخر من الكتابة وهي “الكتابة السردية المخلصة لذاتها أو كما يصطلح عليها كتابة الذات المطلقة”. أما نوع الكتابة الصحفية في موضوعنا هنا، فهي كتابة غير معقدة ولكن البعض يكيل إليها من الرموز والتعقيد ما يكفي لصرف القارئ عنها، وهي في ظن الكاتب أنّها بالتعقيد وتطويل الجمل غير المفصّلة وغير المباشرة تزيد من أهميتها، ولكنها في الحقيقة تنزع من الكتابة أهم دلالاتها الفنية والمعنوية والعلاقة الجاذبة للقارئ.

أما ما يُفتقد بشكل آخر في كثير من الكتابات الراتبة هو ضيق مواعين الدلالات والمعاني، وأحياناً فقرها إلى المفاهيم الروحية التي يبحث عنها القارئ الإنسان في كل كتابة، فالكتابة الصحفية مهما بلغت درجة واقعيتها تحتاج إلى إشارة ساحرة. وتلك الإشارات الساحرة لم تخلُ منها الكتب العريقة التي باتت مراجع ذهنية مهمة وزاداً لا غنى عنه لكل أنواع الكتابات.

فمن نهل من “الأغاني” للأصفهاني مثلاً، أو المعلقات العشر أو أدبيات الرسائل أو الكتابة عن الرحلات وغيرها من عيون الكتب يجد طلاقة في البيان لا تدانيها أهمية غير أهمية امتلاك الموهبة وتشذيبها وصقلها . فـ”الأغاني” عبارة عن سير وقصص، ولكن هناك من الكتاب من يستعير من هذه الأدبيات ويتبع طريقتها في حكيه اليومي حتى ولو بشكل غير مباشر، فخرجت لنا كتابات على مدى الزمن تنزع إلى تقليد هذا النوع الأدبي دون أن يقف حائلاً بينها وبين تطبيق قواعد الكتابة.

السائح اليومي على صفحات الصحف يلاحظ وعلى مدى الشهور الفائتة أنه يجد الكتّاب كما هم، كل منهم محتفظ بموقعه وزاويته اليومية أو الأسبوعية، ولكن ليس هناك من شيء غير إثارة أحداثٍ تفرض نفسها. وبالرغم من أنّ هذه الحالة عمرها ينتمي إلى هذه الفترة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، ولكنّ هناك خوفاً من أن تنتهي الكتابة إلى الحال الذي انتهت إليه أنواع الإبداع الأخرى من تراجع واضمحلال. قد تكون هذه حالة من الملل أصابت الجميع، وقد يكون تراكم أحداث عملت على تهشيم الأقلام أو تقصيرها عن وظيفتها.

وقد يكون زهد الكتّاب في مواجهة انكسارات وتناقضات الواقع أعجزهم عن الخروج من تكثف الأحداث اليومية برؤية فنية تكشف الصراع الأزلي بين الخير والشر، وبين الحقيقي والزائف. لا خوف أكثر من أن تفقد الكلمة دورها في تحريك الفعل وتحويله إلى مقال أو قطعة فنية تعبّر عن موقف محدد يقف إزاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ومشكلات الحياة وتناقضاتها. إنّه مؤشر لعجز كبير نتمنى أن يليه نهوض كبير لكل أرواح الإبداع في الوطن العربي، ننفخ فيه من عزمنا لتسمو الكتابة من جديد.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *