زواج سوداناس

بأمر سيكافا: دولتا السودان.. مواجهة الحقيقة



شارك الموضوع :

سيكافا تضع السودان في مواجهة نصفه الآخر، هكذا يجب أن تعنون الصحف الرياضية مانشيتاتها صبيحة الخامس والعشرين من نوفمبر الجاري، أربعة سنوات تمضي على فجيعة الإنشطار، والصمت يتمدد على سكينة الأشياء كظل الميت، محللين ومراقبين يتحدثون عن الخطط الهجومية والدفاعية، لمناقشة الحظوظ في التأهل إلى الدور القادم، ولا يدركون أن اللقاء الذي سيجمع صقور الجديان بمنتخب جنوب السودان، ليس مجرد لقاءٍ عابر فحسب، بقدر ما هو مواجهة لحقيقة الإنفصال، فالمتفرج الذي يتابع مسرحية تراجيدية يدرك سلفاً أن ما يجري أمامه على الخشبة ليس حقيقة، وأن كل شيء في النهاية مجرد تمثيل، لكن الذي سيتابع مدثر كاريكا وهو يراوغ ليهدف في شباك جمعة جينارو، سيتأكد تماماً أن الذي يجري أمامه واقعاً يمشي على قدمين.

مواجهة تاريخية:
أسفرت قرعة بطولة كأس التحدي لمنتخبات شرق ووسط أفريقيا لكرة القدم (سيكافا)، عن أول مواجهة تاريخية في مباريات كرة القدم بين منتخبي السودان وجنوب السودان، وذلك في أعقاب إنشطار السودان الموحد إلى دولتين في العام 2011م، بعد صراع طويل بين الشمال والجنوب ظن فيه الكثيرون أن الإنفصال هو الحل الأمثل لتلك المشكلات العالقة بين أبناء الوطن الواحد، إلا أن الأزمات وتداعيات الإنفصال كانت أكثر بكثير من المشكلات التي انفصلا الطرفان من أجلها، وأوقعت قرعة البطولة التي أعلن عنها من مقر مجلس إتحادات شرق ووسط أفريقيا لكرة القدم سيكافا بالعاصمة الكينية نيروبي في وقت متأخر من مساء الأربعاء الماضي، عن وقوع المنتخبين في المجموعة الثالثة التي سوف تلعب بمدينة (بحر دار) الإثيوبية.

مواجهة الحقيقة:
مدينة بحر دار الساحرة ستكون شاهدة على اللحظة التاريخية التي سيعزف فيها السلام الجهوري لدولتي السودان، قبل إنطلاقة المباراة التي ستجمع بين المنتخبين في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، بعد مضي أكثر من أربعة سنوات على فاجعة الإنشطار، والدقائق تمضي مسرعة مقتفية خطى الثواني، تنافس الدول في الاعتراف بدولة الجنوب، وتنكأ جراحات الإنفصال التي لن تندمل، لتجسد هول الفجيعة يومذاك، وبلد المليون ميل مربع يتكبد أوجاع الفراق، صاحبة الجلالة تقرأ الموقف بعيون دامعة وأقلام مرتجفة، جعلت صالات تحرير صحف الخرطوم تضج بصوت الحزن الصامت، السنوات ونكهة الصدمة لا تزال تفرض نفسها على الواقع، وترفل فى تأكيد حضورها على مآقي كل من يقرأ الحروف التي كتبت بدماء الوطن المبتور، يومها كانت الحقيقة أكبر من الاحتمال، الأمر الذي شتت أفكار المحررين والكُتاب، حيث عجزت حروفهم عن التعبير عما يدور في خلد القارئ وهو يشهد تجزئة الوطن، فما يزال الذهول يخيم على الشماليين والجنوبيين من اللحظة التي أصبح فيها كل منهما أجنبياً في بلد الآخر، وما أصعب الغربة في مكان كان بالأمس جزءاً من أرض الوطن، وها هي سيكافا تضعنا مجدداً في ذات الإمتحان.

تداعيات الإنفصال:
يذهب مختصون فى علم الإجتماع إلى أن قضية إنفصال الجنوب أو الإستقلال نابع عن صراع هوية السودان التي لم تحسم بعد، خاصة وأن التيارات السودانية المنقسمة بين العروبية والإفرقانيه هي التي ساهمت فى توسيع الشقة حيث أن تلك المجموعة المتمثلة فى منبر السلام العادل ترى أن الهوية إسلامية عربية بينما تنظر المجموعة الثانية إلى السودان على أنه عربي إفريقي له إنتماء عربي وكذلك إفريقي يجب أن لا يستثنى ، صراع الهوية كما يعتقد الباحثون فى علم الإجتماع كان عاملاً رئيسياً في تفكيك المنظومة السودانية إلى منظومة دينية عرقية، غير أن سياسيون يرون أن انفصال الجنوب ليس بهذه الكيفية التي يتحدث عنها علماء الإجتماع إنما هي سوء إدارة التنوع في السودان خاصة وأن الحزبين اللذان وقعا على إتفاقية السلام الشامل لم يكن لها النضج السياسي الكامل بما وقعا عليه سيما وأن فترة التنفيذ للإتفاقية كانت من أخصب الفترات التي تشاكس فيها الفريقين حيث تم سحب وزراء الحركة الشعبية من مجلس الوزراء عشية عطلة إحدى أعياد الفطر إبان تنفيذ الإتفاقية فى عام 2007م، كما مارست كتلة نواب الجنوب مواقفا مضادة للقوانين التي يصدرها المؤتمر الوطني عبر مؤسسات الدولة ، من جانبه فإن المؤتمر الوطني إعتبر أن الحركة الشعبية أرادت أن تمارس عليه ضغوطاً عبر أيادي خارجية من أجل إنجاح مشروع السودان الجديد العلماني على حد قوله، غير أن مراقبين يعزون إنفصال الجنوب إلى ثلاث عوامل رئيسية أولها الهوية والتهميش الإقتصادي والإجتماعي والسياسي بالإضافة إلى خذلان القوى السياسية الشمالية للحركة الشعبية في تصحيح مسار الحكم في السودان، كما أن برنامج الحركة الشعبية بالرغم من شموليته ومنطقيته، إلا انه لم يتنزل على أرض الواقع السياسي، وهنا يعتبر مراقبون أن الحركة الشعبية فشلت فى تقديم كادر سياسي مقنع للشمال على غرار زعيم الحركة الشعبية د. جون قرنق خاصة وأن إقناع أهل الشمال بطرح الحركة الشعبية ومطالب شعب جنوب السودان دون الانكفاءة عليه كانت بالإمكان ان تعزز فرص الوحدة ويتحول الإستقلال أو الانفصال إلى وحدة إجتماعية مبنية على أسس صحيحة وسليمة، كذلك عدم تعزيز الفرص عن الجانب الآخر المؤتمر الوطني الذي أودع الجنوب منضدة الحركة الشعبية مع السعي التام فى إغلاق كل المنافذ السياسية للقوى السياسية الأخرى بالأخص الشمالية فى التغلغل فى الجنوب وترك ساحة النزال فارغة الى الطرفين الحركة والمؤتمر الوطني أضاعت فرص تعزيز الوحدة التي كانت مبنية على هامش المزاج السياسي للشريكين، ويرى محللون أن الجنوب حمل على الانفصال بحيث أن الذي حدث فصل الجنوب عن الشمال لتلك الإشكالات الداخلية والتي عززتها فرضيات خارجية ساهمت فى تأجيج الصراع بين الشريكين، لذلك فإن شعب الجنوب الذي توهم الاستقلال في لحظه بعينها إنكفاء إلى الحنين إلى الماضي والعودة إلى الجذور مما يعزز تلك الفرضية إعداد النازحين والفارين من جحيم الحرب من الجنوب إلى الشمال غير أن مياه كثيرة جرت تحت جسر صفحة نيفاشا التي وضعت كل دولة على حدا بحدود مازالت مشتركة إلى حد التماهي وبين مجموعات سكانية تتداخل بين البلدين.

إستيقاظ الوجع:
المباراة التي ستجمع بين المنتخبين فتحت الكثير من المواجع، حيث يقول الباحث والكاتب الأمريكي فرديرك جيمس فرصة أن يكون هناك سودان موحد وديمقراطي إنتهت برحيل د. جون قرنق إثر تحطم الطائرة التي كانت تقله، وبالتالي فإن إرهاصات الإنفصال كانت بائنة منذ لحظة وفاته في أغسطس من العام 2005م، وهنا يقول د. منصور خالد أن الموت المفاجئ الذي حدث لقرنق هو الذي أحدث إشكالات كثيرة فى آخر تصريح له فى برنامج الذاكرة السياسية بقناة العربية حيث أن رؤية د. قرنق الكلية كانت تذهب فى إتجاه تحول السودان إلى سودان ديمقراطي، ويقول أن ما يدلل على ذلك عندما فاوض النميري قرنق وعرض عليه أن يعطيه ثلث مجلس الوزراء ليشكل حكومته فرد عليه قرنق ماذا تبقى لأهل الشرق وأهل دارفور، هم التمثيل الجغرافي والمناطقي، لذلك برحيله المفاجئ انطفأ بريق ذلك الأمل الذي أوقدته نيفاشا، في ما يسمى بمشروع السودان الجديد، حيث ذهب عدد من المراقبين إلى أن شجاعة الرجال لا تملك القدرة للاتجاه نحو المستقبل من غير النظر إلى الوراء، لذا بات واضحاً أن الغرماء في الخرطوم وجوبا لا يملكون نية أخرى، غير انتظار مهلة الخمس سنوات التي حددها الاتفاق لترسيم الاستقلال النهائي لجنوب السودان عن شماله، وبالتالي ميلاد الدولة الأحدث في القارة السمراء، ومما لا ريب فيه أن مشهد التجمهر الشعبي الواسع حول قبره في ذكرى رحيله الأولى، كان يشي بالانفصال، خاصة عند رؤية آلاف الجنوبيين وهم يحيون قائدهم الراحل ويلوحون بالأعلام الجنوبية، وفي الأثناء ذاتها، جابت طوابير آلاف ضباط الشرطة والجنود شوارع العاصمة الجنوبية جوبا في مواكب عسكرية، وبين هذا وذاك، تساءل الكثير من السودانيين: ماذا لو لم يمت قرنق في حادثة تحطم الطائرة العسكرية في ذلك اليوم من يوليو؟

الحلم الضائع:
كان الدكتور جون قرنق دي مبيور يحلم بأمة تقتسم سلطتها وثرواتها وأن يكون لكلٍ نصيبه على امتداد سهول السودان وجباله وغاباته الشاسعة، وعلى امتداد تنوع أهله، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأفارقة، وكان قرنق راسخ الاعتقاد، حازماً في نفيه الجازم لوجود (مشكلة الجنوب) أو (مشكلة دارفور) بل مشكلة السودان كله، وأن حلها يجب أن يكون موحداً وديمقراطياً، وفي اعتقاده أن في هذه البلاد معضلة مركزية ينبغي حلها، ولتحقيق ذلك الهدف، نذر قرنق حياته كلها وأفناها فيها، لذاك أحبه الشماليون أكثر من الجنوبيين، لا لشيء بل بفضل ما يتمتع به من كاريزما وعلم وثقافة وبعد نظر ورؤية وخط واضح لحاضر ومستقبل السودان الموحد المتعدد الثقافات وكان يرى ان تعدد الثقافات ليس بالشئ السيئ بل هو من عوامل القوة.

الرحلة النضالية:
بدأت الرحلة النضالية الطويلة للدكتور جون قرنق في عام 1983، إثر انهيار اتفاقية أديس أبابا للسلام، عندها كان قرنق يعمل ضابطاً في الجيش السوداني، وبرفقة عدد من أقرانه الضباط الجنوبيين تمرد ووجد له ملاذاً آمناً في إثيوبيا المجاورة، وخلال العقدين التاليين انهمك قرنق في قيادة التمرد على رأس الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان، وبحلول عام 2002 كانت الحكومة السودانية قد أبدت استعداداً للتفاوض مع الحركة، وفي عام 2005 أبرمت اتفاقية نيفاشا للسلام، التي أفضت إلى تشكيل حكومة ائتلافية وإجراءات اقتسام لثروات حقول النفط الجنوبية بين شمال السودان وجنوبه، وبموجب الاتفاقية، منح الجنوب صيغة الحكم الذاتي برئاسة قرنق، على أن يجرى الاستفتاء الشعبي على مصير الجنوب في شهر يناير المقبل، بما فيه احتمالات نتائجه: إعلان الانفصال، وكان كلا طرفي الاتفاق قد وعد بجعل الوحدة جاذبة خلال فترة الحكم الانتقالي، لكن (21) يوم فقط هي التي قضاها قرنق في السلطة بعدها غادر الدنيا إلى الأبد.

غياب الرؤية:
وعلى رغم غلبة الانتماء الجنوبي على الحركة الشعبية، فقد ظلت حزباً وحدوياً في الأساس في ظل قيادة قرنق، واستطاعت الحركة أن تبني لها هياكل حزبية قوية على طول جنوب السودان وشماله، غير أن ذلك الاتجاه تغيّر كثيراً عقب رحيله، فعلى حد قول بيتر أدوك نيابا، عضو القيادة السياسية العليا للحركة، سرعان ما وقعت الحركة فريسة لقادة انفصاليي النزعة، كما بدأ الضعف يعتري جسم الحركة في ظل غياب المهارات والرؤية السياسية التي كان يتمتع بها قرنق، وعقب رحيله برزت فجوة قيادة في أوساط الحركة، وقد انعكست هذه الفجوة واضحة على علاقة الحركة وتعاملها مع حزب المؤتمر الوطني وغيره من الأحزاب الشمالية الأخرى، ولدى الإعلان عن نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في أبريل 2010م، وأعيد بموجبها انتخاب الرئيس عمر البشير، بدا جنوب السودان وشماله أكثر تنافراً.

رأي الأغلبية:
لكن ثمة من ذهب في حديثه إلى أن قرنق كان سينتمي إلى رأي الأغلبية في آخر المطاف، حيث يرى نائب رئيس وفد حركة مشار للتفاوض، دكتور ضيو مطوك بأن معركة قرنق الحقيقية منذ إنشاء الحركة الشعبية وتدشينها لبرنامجها وخطابها الوحدوي كانت في مواجهة القوميين الجنوبيين أو الانفصاليين الجنوبيين، وأن قرنق كان يدرك أن التيار الانفصالي يأخذ في الأتساع بفعل الممارسات الشمالية، وقال دكتور ضيو مطوك لو ظل قرنق حياً كان أيضاً سيحدث الإنفصال، وأكد أن الحركة تبنت خيار أغلبية شعب الجنوب، وقرنق لم يكن ليتبنى غير رأي الأغلبية.

قرنق الوحدوي:
فيما يرى المفكر الإسلامي الدكتور المحبوب عبد السلام أن اى حديث عن انفصالية قرنق لا يمثل الحقيقة ، وقطع لـ(ألوان) أمس، بأن وجود قرنق على قيد الحياة كان من شأنه تغيير الكثير في المشهد لجهة امتلاء الأخير بالسودان ككل، للدرجة التي كان فيها يضع الخرط ويرسم كيفية ربطه للسودان باجمعه عبر 17 طريقاً برياً، وعد المحبوب أن انهيار وحدة السودان لم تبدأ بنيفاشا فقط وإنما منذ اللحظة التي نكص فيها الوطني عن التزامات اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997م.

إعادة النظر:
البعض ينظر إلى المبار اة التي ستجمع بين المنتخبين في الخامس والعشرين من الشهر الجاري على أنها مواجهة لحقيقة الإنفصال وليست مباراة في كرة القدم، لذلك من المتوقع أن تشهد المباراة مشاعر حميمية جياشة بين لأعبي الفريقين تجعل الساسة يعيدون النظر مرة أخرى في مسألة الإنفصال، الذي أدى إلى إتساع دائرة المشاكل، بدلاً عن إغلاقها.

أكرم الفرجابي
صحيفة ألوان

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        القنفد

        أربعة سنوات تمضي على فجيعة الإنشطار، والصمت يتمدد على سكينة الأشياء كظل الميت،!!!

        إهي إهي إهي أديني منديل بكيتني بدمع التماسيح الله يبكيك بدمع العين !!!!

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *