زواج سوداناس

حسن روكسي وقصص أخرى



شارك الموضوع :

هل من الممكن التعامل مع الأدب باعتباره وثيقة تاريخية عن حقبة ما، أعني هل يمكننا التعامل مع السرد الروائي أو القصصي وكأنه ناقل أمين للأحداث السياسية والتقلبات المجتمعية خلال فترة تاريخية بعينها. وهنا لا أتحدث عن كتابة السيرة بشقيها، المباشرة أو المحكية عن آخر وإن جاءت في شكل روائي مثل رواية (الجنرال في متاهته) للكولمبي غابريل ماركيز أو (الأمير عبدالقادر) للجزائري واسيني الأعرج، والروايتان كتبتا بقصدية التوثيق التاريخي لقائدين كبيرين أسهما في تاريخ التحرر الوطني في بلادهم. أتحدث هنا عن أعمال قصصية يبدو الخيال جليا جدا في بنائها ولا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تدعي أنها تدور عن شخص بعينه حتى وإن كان هذا الشخص الكاتب – المؤلف نفسه.
قرأت مؤخرا المجموعة القصصية (حسن روكسي وقصص أخرى) للروائي والقاص، عبد الماجد عليش، كتابة امتازت بتعقيد سردي – فوضوي مبهر، كما أنها مشحونة بالإمتاع القصصي والشجن الحكائي وتلك المسحة الواقعية الكئيبة المتداخلة مع سخرية مفارقات تدعو للحيرة والتأمل والتساؤل عن طبيعة هذه الكتابة: هل هي توثيق مقصود لتلك الفترة (التسعينيات) ذات الحراك السياسي والاجتماعي العنيف من التاريخ السوداني الحديث؟ هل هي نقد واقعي محمول على ساند سردي ينبش جسد المعارضة السودانية خلال ذروة انشغالها السياسي بدايات وأواسط التسعينيات من القرن الماضي داخل السودان وخارجه؟ هل هي سيرة شخصية حارقة تنكأ الجرح الفردي لكل مجايلي ذلك الزمن المرتبك؟
في نصوص هذه المجموعة يتعمد عبدالماجد عليش إدخال قارئه في متاهة؛ تتعلق بشخوص القصص المروي عنها، تشابه في الأسماء، تداخل في عمليات الروي، إرباك وفوضى سردية عارمة قد تطيح بتركيز وثبات القارئ إن لم يمسك جيدا بخيوط الحكي المتنازعة ما بين العلمي والطبي والسلوكي اليومي والتاريخي الرسمي والتأملي النقدي الذي يشرح كل شيء أمامه ولا يترك مساحة ممارسة سياسية أو اجتماعية سليمة دون ثقوب وجروح نازفة.
في القصة المفصلية للمجموعة (حسن روكسي)، نجد أنفسنا في ذات تلك اللحظة الشخصية اليائسة والبائسة التي يمر بها بطل القصة، ومن خلالها يدخلنا إلى نفق اليأس والتخبط والعجز السياسي العام الذي ضرب الجميع في سنوات النضال بالقاهرة؛ تجارب اللجوء، و(كيسات) الأمم المتحدة، واجتماعات المعارضين الكبار، وما يدار من صفقات وعمولات، وحوارات المثقفين ونزفهم، وأخيرا أورام هذا الجسد المسمى السودان؛ تلك الأورام السرطانية المميتة تفتك بالرأس زمان والآن.
إنه كتاب للإمتاع والوجع والتأرجح المتأمل.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *