زواج سوداناس

الطيب صالح الرجل الذي جعل (الشمال) جنوبا


شارك الموضوع :

اول مرة قرأت فيها (موسم الهجرة الى الشمال) – شعرت ليك اني عملت حاجة غلط.
الرواية والكلمات كانت اكبر من ان تخلينا قاعدين ساكت…هذا كان (شغب) مننا ..وشقاوة ما في ليها داعي.
عدت الى البيت ..(متلصصا) وان اشعر ان (ابي) اذا اقترب مني شوف يشم ريحة (موسم الهجرة على الشمال) لذلك تحاشيته.
كان لـ (موسم الهجرة الى الشمال) تلك الرائحة النافذة.
الطيب صالح قدم (اوربا) بادبه العالى عندما كان لا فضائيات تقدمها ..ولا اشخاص يعرفونها.
احضر (الشمال) لنا في (الجنوب) هذا ..فاحدث تلك (الضجة).
في تلك السنوات البعيدة…عرف الطيب صالح ان يقدم (اوروبا) ليست لاشخاص روايته فقط ..بل لكل القراء.
ادهشنا الطيب صالح عندما ادخل (المزارعون) الاوربيون في ذلك الكشف الاستفضاحي.
هكذا كان يظنون اوروبا.
محجوب يسأل مصطفى سعيد ..بهذا السياق في موسم الهجرة الى الشمال.
وسألني محجوب . (هل بينهم مزارعون؟).
وقلت له : (نعم بينهم مزارعون وبينهم كل شيء . منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم ، مثلنا تماما ) . وآثرت ألا اقول بقية ما خطر على بالي : (مثلنا تماما . يولدون ويموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحملون احلاما بعضها يصدق وبعضها يخيب . يخافون من المجهول ، وينشدون الحب ، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد . فيهم اقوياء ، وبينهم مستضعفون ، بعضهم اعطته الحياة أكثر مما يستحق ، وبعضهم حرمته الحياة ..لكن الفوارق تضيق واغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء) ..لم اقل لمحجوب هذا ، وليتني قلت ، فقد كان ذكيا . خفت ، من غروري ألا يفهم).
هكذا قدم الطيب صالح (اوروبا) بلغة محلية ..تقبع بيننا ..كان ذلك قبل اكثر من نصف قرن.
اوروبا وقتها كانت عالم غريب ..الناس تتعامل معها على انها عالم من (الوحوش).
و
(ونحن عايشين والحمدلله (النفس) بينزل ويطلع إلى الآن..ولا ينقصنا شيء سوى رؤياكم الغالية).
عبقرية الطيب صالح ..والتى اكتشفه فيها رجاء النقاش الذي كان اول من كتب عنه ونوه له ..تلخص في انه قدر ان يربط بين ذلك العالم البعيد (اوروبا) وبين قريته (كرمكول).
الطيب صالح يشعر بفضل لبنان عليه فقد قدمته قبل مصر.
كان الطيب صالح يحمل قريته في جوانحه..حتى وهو يستقر في (اوروبا) ويتزوج منها.
لم يتخل الطيب صالح من (سودانيته) وقرويته ليس في اعماله الادبية فقط ..بل في واقع حياته ككل.
وكما جاء (مصطفى سعيد) من الشمال ليموت في هذا (النيل) – جاء الطيب صالح من هناك ليدفن في (احمد شرفي).
رغم ان اسرته الصغيرة وبناته هناك في لندن.
هذه (وطنية)..جسدها الطيب صالح ادبا ووقعا…فكانت تلك (العبقرية) التى جعلته عبقريا للرواية االعربية.
الرواية العربية قبل الطيب صالح كانت اكثر (سكونا)..واكثر (جمودا) ..الطيب صالح عرف ان يدخل فيها الحياة ..وان يجعل فيها كل هذا (الحراك).
روايات الطيب صالح بداية من عرس الزين وموسم الهجرة الى الشمال وضوالبيت ومريود ودومة ود حامد كلها فيها لغة (ناطقة).
الطيب صالح لا يكتب ..وانما ينطق.
اذا قرأت للطيب صالح رواية شعرت انك (جزء) من النص ..انك تشهد احداث الرواية ..ويشهدوا لك وجودك.
حتى ان كنت تقرأ وانت ما قاعد قعدة كويسة ..استعدلت في القعدة ..لاحساسك ان شخوص الرواية شايفنك.
هذا انتقال يحسب للطيب صالح اذا جعل القاري نفسه …احد شخوص الرواية.
و
(ونحن عايشين والحمدلله (النفس) بينزل ويطلع إلى الآن..ولا ينقصنا شيء سوى رؤياكم الغالية).
الطيب صالح رغم (الجرأة) التى عرف بها في رواياته..إلّا انه كان خجولا حد الانكفاء.
يقول عنه احمد سعيد محمدية في لمحة عن الطيب فنانا وانسانا.
(رأيت الطيب الصالح اول مرة في بيت سفير السودان في لندن جمال محمد أحمد ، وكان وديعا رقيقا ويكاد ان يكون حييا. وأخذت اراقبه وكأنني استطلع فيه صورة غريبة من صور الكون العجيب ..كم تختلج وراء هذا المظهر الهاديء براكين فنية !! وكم تختفي وراء هذه البساطة عوالم جياشة وحيوات محتدمة).
التناقضات في ظني هي التى كونت الطيب صالح ..وهي التى جعلته بهذه (العبقرية).
الطيب صالح من كرمكول ..الى لندن.
عاش في لندن ..ثم جاء ودفن في احمد شرفي.
كان الطيب صالح قد إلتحق بالعمل في الاذاعة البريطانية سنة 1953م.
الطيب صالح مع ثقافته الغربية الكبيرة ..إلّا انه صاحب ثقافة اسلامية عالية ..وهو خبير في اشعار ود الفراش والحردلو.
عربيا الطيب صالح كان يحفظ اشعار لبيد والمتنبي وابوالعلاء والبحتري والفرزدق وكان كثير الاعجاب بـ (ابن الرومي).
زاويته في مجلة (المجلة) في اخر صفحات المجلة (نحو افق بعيد) كان تقدم التراث العربي مع التراث السوداني بابداع لا نظير له.
الطيب صالح مرة كتب : (ليس فيكم عمر بن الخطاب ولا عمرو بن عبدالعزيز ، ولا حتجيبوا رأس كليب ، ولا حتجيبوا الهوي من قرونه).
هكذا كان الطيب صالح صادما.
و
(ونحن عايشين والحمدلله (النفس) بينزل ويطلع إلى الآن..ولا ينقصنا شيء سوى رؤياكم الغالية).
سئل معاوية جمال الدين في جريدة الخرطوم 31 يناير 1995م مرة الطيب صالح عن تأثير المرأة في الشمالية فقال الطيب هذه الاجابة التى انصفت (المرأة) كثيرا.
عجبتني في اجابة الطيب صالح تلك (الطمأنينة) التى نافس بها غني منصور خالد في جامعة الخرطوم وهو فقيرا.
يقول الطيب صالح :
(ربما ، انا منحاز للجانب الانثوي على أية حال ، ارجو ألا يسيء الناس فهم هذا الكلام فانا لا اقصد النساء ، لكن هذا هو الجانب المتحضر ، (جايز) جدا ان يكون كلامك صحيحا ، فعندما افكر في حبوباتنا وامهاتنا وعماتنا وخالاتنا ، اجد انهن قمن باكبر العبء – حقيقة – في الحفاظ على تماسك البيئة والجميع. اذكر ان جدتي لوالدتي واسمها زينب ، كانت مقيمة في (العفاض) مركزنا الاصلي ، كانت تجي من العفاض لتزور امي وخالتي واخوانها واقاربها ، ولا تترك احدا في البلد إلا وتزوره ، تقول لك : (عندي لحمة في المحل الفلاني وسرارة في المحل الفلاني) ..كل هذه الامور عبارة عن اسمنت يربط بعضهم ببعض ، بالرفق والمحبة والرحمة وليس بالامر والنهي. ورأينا كيف كانت امهاتنا في اوضاع معيشية صعبة بالمقاييس الاقتصادية الحديثة ، ورغم هذا نشأنا ونحن نحس بأننا في غاية الغني . لم اشعر أبدا بانني فقير . واذكر لما دخلنا جامعة الخرطوم كانت احوال اولاد (الافندية) احسن وناس ام درمان مثل صديقنا العزيز منصور خالد كانوا يعتقدون انني غني ، وكذلك كل القادمين من ارياف وقري السودان (ما سائلين في احد ) لأننا شربنا هذه الطمأنينة ، وهذا الغني من اهلنا ، وانت تدري ان في تراثنا الطويل (الفقراء اتقسموا النبقة) والغني يخجل من اهله ، فلا يسرف في البناء ولا الحياة حتى يكون مثل اهله. كنت تجد الوزير الذي ربما كان الفراش ابن عمه. الآن دخلنا باسم القيم والاخلاق في وضع غير اخلاقي).
هذه الطمأنينة التى يوزعها الطيب صالح على الفقراء ..تجعلهم في مرتبة اعلى من الاغنياء.
تلك كانت (وطنية) الطيب صالح في تلك (الطمأنينة).
و
(ونحن عايشين والحمدلله (النفس) بينزل ويطلع إلى الآن..ولا ينقصنا شيء سوى رؤياكم الغالية).
وفي شهادات الطيب صالح يقول الطيب : ( الكاتب لا يكتب لينال جوائز . الانسان يعمل ليفوز بشيء فاذا جاءت الجائزة فهذا طيب)…ويقول الطيب صالح عن جائزة نوبل : (أنا لا اطمع في جائزة نوبل ، ولا اظن انني سأنالها).
الطيب صالح بدأ في جامعة الخرطوم يدرس في (كلية العلوم) – لكنه كان مع ذلك يذهب ليحضر (محاضرات) في كلية الاداب ..حتى لاحظ اساتذته فيه ذلك ليتم تحويله لكلية الاداب وقد كان ذلك بفضل السفير جمال محمد أحمد الذي درس الطيب صالح في الثانوي ودرسه في الجامعة.
……………

و

نسأل الله الرحمة والمغفرة للطيب صالح ..الذي مر علينا ذكر رحيله السابعة.
……..
السيدة (ل) – سدد فاتورة الموية في (الكشافات).
وقرّط على كدا.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *