زواج سوداناس

مؤمن الغالي : متقاعدو الجهاز المركزي للإحصاء.. ما أنبلكم.. #


مقالات 4

شارك الموضوع :

متقاعدو الجهاز المركزي للإحصاء.. ما أنبلكم.. 1-2

٭ ليس لدي ذرة من شك في أن هذا الوطن وطناً عظيماً شاهقاً.. ولا انتابتني ولو مثقال ذرة من خردل في صدق مقولة إن هذه الأمة السودانية خير أمة أخرجت للناس.
٭ وتأكد يقيني وثبتت أركان ثقتي ومراهنتي.. وبالأمس وفي ربوع «آخر لحظة» تأتي كوكبة من الشموس وهي تضيء عتمات ليل الوطن الجميل.. وأصل الحكاية إن عقداً ماسياً اسمه «متقاعدو الجهاز المركزي للإحصاء قد قرر أن يقدم روعة أوراق وبهيج حديث وعظيم ندوة لأسرة «آخر لحظة».. وأقول الحق.. فقد دلفت إلى قاعة المحاضرة المترفة أجر جراً أقدامي إلى «الصالة» فقد أوحت إلى كلمة «متقاعدي» إلى أن هدف المحاضرة هو طرح مشاكل «المتقاعدين» في أي مصلحة على مر التاريخ.. إذ دخلت القاعة وأنا أرعد في تشاؤم مع ضرير المعرة ورهين المحبسين أبي العلاء المعري قوله الباكي:
كل من في الكون مثلي أعمى
فتعالوا في يوم ضرس نتصادم
٭ وسبحان مغير الأحوال.. فقد خرجت من القاعة وبعد انتهاء المحاضرة وذاك الحديث الذي هطل لمدى ثلاث ساعات وتزيد.. خرجت وأنا أتيه زهواً وأتطاول فرحاً مردداً مع الهادي آدم..
غداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلا
وغداً ننسى فلا نأسى على ما ض تولى
وغداً للزاهر الحاضر نحيا ليس إلا.. ليس إلا..
٭ ويضيء هؤلاء المتقاعدون القاعة في بهاء.. رجال أفنوا نور عيونهم على ضوء المصابيح.. انفقوا أزهى أيام شبابهم وهم يهبون الوطن البدائع والروائع.. الذي أدهشني حد العحب بل حد الطرب.. أن هؤلاء الرجال الأساتذة.. ما انقطعت صلتهم وتهرأت خيوط وصالهم مع مؤسستهم العملاقة بعد أن حان «المعاش» وحل آوان «التقاعد».. حملوا معهم جهاز الإحصاء المركزي في تجاويف صدورهم وداخل آخر بوصة من سويداء قلوبهم.. تحدثوا عن الوطن.. عن الشعب.. عن الحيوان والإنسان الرمال والشجر.. تحدثوا عن الحل والترحال.. عن المدارس والمشافي عن المستقبل «اللسه سنينو بعاد» ولم ينطقوا بحرف واحد عنهم شخصياً ولا ظلامة فردية ولا أملاً بشكر أو تكريم.. ما أنبل هؤلاء الأخوة.. يتصارع الأبيض شيباً ووقاراً والأسود عزماً وفتوة على رؤسهم، ويصارعون المستحيل لخلق أمة عظيمة عصرية ومتحضرة.. ما أكرمكم هولاء الرجال.. فقد عودتنا الأيام أنه وفي كل الدنيا، وعندما يترك الموظف العمل تقاعداً يسدل ستائر من النسيات ويبنى حوائط سميكة البنيان بينه وبينها وهو في المعاش وعلى كرسي «القماش» يفعل ذلك كل الكون.. في كل أركان الدنيا.. وحتى «هنا في السودان» إلا هؤلاء الذين افترعوا نهجاً ما سبقهم عليه أحد، واختطوا طريقاً ما طرقه قبلهم نفر.. وما أروع الانسان عندما يفيض انسانية ويتدفق وطنية وهو يحمل بين تجاويف ضلوعه الوطن وشعب الوطن.
٭ أحبتي.. أرأيتم كيف يعجز القلم عن تصوير هذا المشهد المهيب.. ولكن العزاء كل العزاء إنني سوف أجعل قلمي طائعاً منقاداً وأنا أصور لكم أدق تفاصيل تلك الندوة الرفيعة، وأبهر عيونكم بشمس سطعت في «آخر لحظة» بل مجموعة شمسية اسمها متقاعدي جهاز الإحصاء المركزي..
نتلاقى الأحد..
.
متقاعدو الجهاز المركزي للإحصاء.. ما أنبلكم (2ـ2)
٭ وتمخر البارجة.. بل اسطول الجهاز المركزي للإحصاء عباب ماء «آخر لحظة» وتهدر محركاتها الهائلة.. وعلى «الدفة» كل قباطنة متقاعدي جهاز الإحصاء، وتشق البارجة أمواج البحر متجهة الى شرفة تاريخ السودان، حيث راية منسوجة من شموخ النساء وكبرياء الرجال..
٭ وقبل أن نبدأ وصف الرحلة.. بل الاستمتاع حد الطرب والفخر والتيه والزهو البديع.. وقبل أن يتساقط علينا مطر الأمل من ورقات ثلاث يتلوها في مهارة كل قبطان من هؤلاء الفرسان، نكاد نسمع وقع كلماتهم ومن خلفها موسيقى تليق بالمقام ويليق بها المقام.. واسماعيل عبد المعين يقود فرقته الماسية فرقة «البساتين» وهم ينشدون في فخر للوطن…
بلادنا جميلة فتانا وعليها يزيد تفانينا
مناظر ازهارها وشواطينا وأفانينا
نعيش ونعيش ونتبحبح وتتحقق أمانينا
فما اخترنا سوى العليا لا يوماً تصدينا
لغير المجد للسودان ولا لسواه حبينا..
وصدقت يا اسماعيل وكأنك تتحدث بلسان هولاء الرجال الشرفاء النبلاء الذين حملوا الوطن معهم، وحملوا كل حرف و«فايل» و«دوسيه» محفوراً في تجاويف صدورهم حملوه معهم بعد أن وهبوا «الجهاز» كل زهور أمامهم ما نسوه لحظة ولا تناسوه لمحة، وكذا يكون النبل وكذا يكون الوفاء للوطن، وكذا يكون الولاء للمصلحة التي تزيد أواصر الصلات بها منعة وصلابة حتى بعد مغادرتها بحكم أمر التقاعد..
٭ وما زال الوابل من الحديث ينهمر والمتحدثون من الأحبة المتقاعدين أسخى سحبه.. وما زال صوتهم يجلجل ورهانهم يسطع على تقدم الوطن، بل كيف يكون الوطن كقطعة هبطت من الجنة اذا التزم صناع القرار من مسؤولين وتنفيذيين ومخططين «رموا» كل «أساس» مشاريعهم وفقاً لكل إحصاء قامت به «الإحصاء»..
٭ كان يوماً للفرح.. الفرح بأن هناك فئة من الناس يشتعل حبهم للمؤسسة التي كانوا يعملون بها.. يشتعل بعد أن يتقاعدوا بأحكام المعاش..
٭ كان يوماً للفرح وهؤلاء المتقاعدون ولمدى ثلاث ساعات كاملة لم يتحدثوا ولو بحرف واحد عن مطالب شخصية تخصهم.. وقبل الختام ختام الندوة فقد أدهشتنا الأستاذة «منال فضل» مدير إدارة التقييم والتحفيز بالجهاز المركزي للإحصاء.. وبالمناسبة فقد كانت هي الوحيدة التي ما زالت تعمل بالجهاز.. فقد نهضت بقامتها الفارعة وهي تحتشد معلومات وتضاء منها مشاعل العرفان.. وقبل أن تجيب على طوفان الأسئلة التي أنفجرت من الحضور قبل أن تجيب، فقد نثرت باقات ملونة وتلت قصائد مترفة عبارة عن كلمات فيض من حب الى المؤسسة التي تعمل بها وهي الجهاز المركزي للإحصاء..
٭ وأخيراً لا أجد من أخاطبه غير السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية، وله أقول إنك قد وعدت الوطن بإصلاح الدولة.. وأرى أن كل مفاتيح إصلاح الدولة هي في خزائن وملفات وبحوث وأوراق الجهاز المركزي للإحصاء.. وإن كانت لي أمنية هي أن يلتحق الجهاز المركزي للاحصاء برئاسة الجمهورية، وإن تعذر ذلك نرجو التوجيه لمجلس الوزراء بتوفير كل الممكن وبعض المستحيل لهذا الجهاز، من مباني تليق به ومن سيارات تساهم في الإنجاز، وأعلم سيدي إن شمس السودان ستشرق من الجهاز المركزي للإحصاء.

مؤمن الغالي – (شمس المشارق – صحيفة آخر لحظة)

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *