زواج سوداناس

احمد يوسف التاي : نحن نصنع الطغاة والانتهازيين



شارك الموضوع :

الطغاة والانتهازيون مثل النبتة الخبيثة التي نغرسها بأنفسنا ونتعهد برعايتها، ثم لا نجد منها غير الأشواك والأذى، فالصنفان من البشر -الطغاة والانتهازيين- تصنعهم الشعوب والمجتمعات، بالجبن والجهل، فبالجبن نصنع الطغاة، وبالجهل نصنع الانتهازيين، نصنعهم بأيدينا، ثم يكونوا وبالا علينا، فلن نجد منهم إلا الأذى تماما مثل النبتة الخبيثة.
يروي لنا التأريخ أن كل طغاة الدنيا وطواغيتها صنعهم الجبناء بالخنوع والانكسار، وبالسكوت عن الحق، وبالصمت المخجل في الموضع الذي يجب أن يكون فيه النطق بكلمة الحق أولى، وب”قول” نعم في الموضع الذي يجب يقال فيه “لا”…
ليس ضروريا لكي نحيا حياة الكرماء النبلاء أن نقود الثورات والمظاهرات ضد الطغيان والاستبداد، بقدر ما إن المطلوب هو أن نرفض الظلم بكل أشكاله في عزة وإباء، كل في مكانه، ومن خلال وظيفته، وفي حركاته وسكناته، ولا نتصالح أبدا مع الاستبداد مهما كان ثمن الرفض هذا، كما أن المطلوب ألا ننافق، ولا نخادع، ولا نزين الباطل، ولا نفعل إلا ما نؤمن به، لأننا إذا فعلنا نكون قد صنعنا طغاة مستبدين، ولن نجني إلا ما غرست أيدينا.
وإذا كان الطغاة يصنعهم الجبناء، فإن الانتهازيين هم صنيعة الجهلاء بلا أدنى شك، فكم من انتهازي علا في الأرض بغير الحق وسما بجهل المجتمع وتقاعسه عن دوره في التنوير وبث الوعي بين الناس..
ويبلغ بؤس الشعوب في أي قطر من الأقطار منتهاه، وذروة البلاء عندما تجتمع مصالح الطغاة والانتهازيين، وفي هذه الحالة يعم الفساد، وتغيب قيم العدل، وتنتحر العدالة، ويصبح استقلال القضاء ونزاهته ضربا من المستحيل، فلن تجد إلا بؤسا يأخذ بتلابيب كل شيء ويقتحم أي فضاء..
يحدث ذلك عندما يحيط الانتهازيون بالحكام الطغاة ويتحولون إلى بطانة سوء تزين الباطل وتحجب الحقيقة عنهم، وتدفعهم دفعاً لمزيد من الاستبداد، فيزدادون عمى وتسلطا وطغيانا على نحو لا يراعي إلا المصالح المشتركة بين الطرفين، ولا عزاء للضعفاء والمستضعفين…
أجد نفسي أردد دائما أن لأهل البغي بغير الحق أسوة حسنة في فرعون، فهو المثال الأبرز الذي يهتدي بهديه ويقتفي أثره أي طاغية أتى من بعده..
الفلاسفة الذين برزوا مع بزوغ فجر الثورة الفرنسية رددوا كثيراً عبارة: (إن الطغاة يصنعهم الجبناء).. لكن القرآن الكريم قد سبقهم في ذكر هذه الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فقد قال ربنا جلَّ وعلا بشأن طغيان فرعون وموقف شعبه من قهره واستبداده لهم، ونتيجة ذلك فقال: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، وفي تفسير الآية يقول ابن الأعرابي: المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه، ويقال، واستخف به أهانه، وإهانة الإنسان الذي كرمه الله عزَّ وجلَّ هي بلا شك ما نعنيه الآن من انتهاك لحقوق الإنسان في الحياة والحرية والحقوق السياسية والدستورية، والتصالح مع كل مظاهر هذا الاستبداد خوفا، فهو الجبن الذي نقصده، والتماهي مع الظلم والفساد طمعاً، فهو الانتهازية ربية الجهل وتقديس الكائنات.. اللهم هذا قسمي فيما أملك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *