زواج سوداناس

في عمق الجبهة القتالية بجنوب كردفان



شارك الموضوع :

الخطوط الأمامية: معتز محجوب -«الطريق إلى الجحيم معبد بالنوايا الحسنة» مثل إنجليزي لم ادر لماذا جال هذا المثل الانجليزي بخاطري وتردد لأكثر من مرة، وانا اهم بالتوجه لمناطق العمليات في«جنوب كردفان». ولعل حالة التوتر والتوجس التي كنت اعيشها هي السبب الرئيس لامتلائي بهذه الاحاسيس ذات الطابع المتشائم نوعا ما على الرغم من المغامرات التي عشتها كثيراً سابقاً في مناطق ملتهبة سواء في ابيي او كادقلي عندما قصفت بالكاتيوشا وانا في قلبها، او عندما دخلنا الدمازين عقب اشتعال التمرد فيها مجدداً كاول وفد يدخلها، او اثناء مكوثي لاكثر من «21» يوماً بليبيا ايام الثورة ضمن أول وفد سوداني يدخل ليبيا لتقديم المساعدة إبان الثورة وايام القذافي الذي لم يكن قد اغتيل عندها. وربما كانت الرغبة في انجاز مادة صحفية ذات طبيعة مختلفة تحمل في طياتها كل الحقيقة هو دافعي لـ «المجازفة» على حد تعبير مرافقي من المجاهدين، ولعل وجودي بزيي المدني في الخطوط الامامية كان مدعاة لدهشة المقاتلين من القوات المسلحة او الدفاع الشعبي او الدعم السريع، ولعلهم لم يستوعبوا اندفاعي لنقل الحقيقة من موقع الحدث بسبب خطورة الاجواء والمناطق التي دخلناها، ولعلهم رأوا في شخصي أحد المختلين عقلياً الذين ودعوا حياة الدعة والراحة والمكاتب و «الترطيبة»، على حد تعبيرهم لي لاحقاً، وعلى الرغم من خطورة المناطق التي زرتها الا ان الرحلة المغامرة كانت شيقة وحافلة بالاحداث التي ساحاول ان انقلها عبر عدد من الحلقات بدايةً من «ساعة الصفر» لانطلاقة الرحلة وحتى رحلة الرجوع للخرطوم، فارجو ان تستمتعوا معي بالتفاصيل التي سأحرص على نقلها من «أم سردبة والمشتركة وقنيزيعة وأب سفيفة والأحمر والعتمور ومارديس» ــ مناطق عمليات بجنوب كردفان. «1» الساعة كانت تشير إلى التاسعة صباحاً وانا ادخل مباني قوات الدفاع الشعبي بالخرطوم استعداداً للتوجه لمناطق العمليات برفقة وفد تم اطلاق عليه مسمى وفد «الإسناد المعنوي» تم تكوينه من شخصيات ذات مهام محددة، وان كان القاسم المشترك بين اعضاء الوفد ــ بخلافي ــ انهم من البدريين في الجهاد، وتم ابلاغي بأن الوفد سيتوجه لمناطق العمليات والمناطق التي تم تحريرها أخيراً من ايدي متمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال لعدة ايام، وكانت اكبر علامة استفهام تجوب في رأسي هي لماذا تم اختيار صحافي واحد فقط لمرافقة الوفد؟هل لخطورة السفرية نفسها والمخاطر التي قد يتعرض لها الوفد؟ او لأن هناك من اعتذر من السفر خوفاً؟ وتكون الوفد من ثلاثة آخرين ــ بخلاف السائق «يسري» ــ هم الأستاذ بعدد من الجامعات والمجاهد المنتمي لكتائب البرق الخاطف د. عبد الحميد اسوسة بلايل، والاستاذ بمدارس النيل الأبيض الذي التحق بالجهاد منذ عام 1991م سعيد فضل الله، بالاضافة للدكتور آدم ماهل التابع لوزارة الإرشاد والأوقاف الاتحادية. «2» انطلقت رحلتنا متأخرة قليلاً لأسباب مختلفة، من ضمنها تجهيزات السفر وأوامر التحرك لنا باعتبارنا نتوجه لولاية تعيش حالة حرب، ولعل محدثي بإعلام الدفاع الشعبي عمار وهو يطمئنني إلى أن الرحلة ستنطلق ويذكر لي دوافع التأخير كان يزرع في دواخلي المزيد من الخوف باشارته لأهمية امر التحرك للوفد، ذاكراً لي حادثة حدثت لوفد سابق كان قد توجه لولاية اخرى، واستشهد بعض من بالوفد ولم يكونوا يحملون اوامر تحرك!! حسناً.. تحت هي الأجواء انطلقت الرحلة الطويلة، وتم تطميننا إلى أن هناك محطة وسطى للاستجمام والنوم «الابيض»، ومن ثم مواصلة الرحلة باعتبار ان المسافة تزيد عن «900» كيلومتر، فاستقبلتنا قيادات الدفاع الشعبي بشمال كردفان وكانوا في وداعنا صبيحة اليوم التالي، وهم يزودوننا بالأماني الطيبة بأن تسير الاوضاع كما ينبغي لها ونحن في طريقنا من الأبيض مروراً بالدبيبات والدلنج ومن ثم كادقلي، ولعل التوتر الذي كان يسيطر عليَّ وعلى مرافقي قد زال بمجرد التحرك بعد ان حدث نوع من التآلف بين اعضاء الوفد، وكانت قصص المجاهدين تسيطر على اجواء النقاش، وربما كانت تلك القصص سبباً رئيساً في إزالة التوتر والرهبة، والملاحظ في الطريق الانتشار العسكري الكثيف على طول الطريق لتأمين حركة البصات وتنقلات المواطنين بين القرى والفرقان، وعلمت لاحقاً من منسق الدفاع الشعبي بجنوب كردفان هشام الخير أن الطريق القومي يقع تحت مسؤولية مقاتلي الدفاع الشعبي الذين انتشروا بطريقة تبعث الطمأنينة في قلب كل من يمر بالطريق. «3» عند الساعة الثالثة صباحاً من صبيحة اليوم الثاني لوصلونا ونحن نغط في نوم عميق من تعب السفر في كادقلي، صحونا جميعنا على اصوات تدوين ورصاص كثيف، وبدا واضحاً لنا أن هناك منطقة قريبة من كادقلي تتعرض لهجوم من قبل المتمردين، وعلى الرغم من ارتفاع التوتر بيننا الا اننا واصلنا نومنا واستيقظنا لاحقاً بعد عدة ساعات، وكان اول من ابلغنا بمعلومات الهجوم امرأة أبنوسية من بنات جبال النوبة قامت باعداد الشاي لنا، فقالت لنا ان معسكراً للمعدنين «الدهابة» قد تعرض للهجوم من قبل متسللين من المتمردين في منطقة «مكحلات» على بعد كيلومترين غرب كادقلي، الا ان القوات الحكومية تصدت لهم وألحقت بهم هزيمة ساحقة وكبدتهم خسائر فادحة، وهذا ما اكده لي لاحقاً منسق الدفاع الشعبي هشام بأن القوات تصدت لهجوم غادر من المتمردين ولقنتهم درساً لا ينسى، ويشير لي إلى انهم يحاولون التسلل لترويع المواطنين، ولعل اكثر ما اصابني بالدهشة بيان مغلوط للناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية قطاع الشمال أرنو نقوتلو لودي تناقلته بعض وسائل التواصل الاجتماعي «واتساب» لانتصارات مزعومة لقواتهم على القوات الحكومية في مكحلات. «4» وتم إبلاغنا لاحقاً من منسق الدفاع الشعبي بجنوب كردفان هشام ان اولى محاطتنا بمناطق العمليات والخطوط الامامية هي منقطتا «قنيزيعة وأب سفيفة»، وتقع قنيزيعة على بعد «60» كيلومتراً من كادقلي، والطريق اليها ترابي ويمر بعدد من الخيران والوديان والجبال والغابات شديدة الخطورة باعتبار ان عناصر التمرد تقوم بالتسلل على الأرجل عبر الجبال والكراكير التي يصعب تتبعها وإغلاقها لكثرتها، فانطلقت العربات المصحوبة بعربة حراسة، ولم ندر مدى خطورة الاوضاع الا عند انفجار اطار العربة اللاندكروزر «البفلو»التي تقلنا، فلم تنتبه عربة الحراسة الموجودة بالمقدمة، وعندما تأخرت العربة رجعت عربة الحراسة بسرعة عالية جداً، ووجدنا طاقم الحراس في حالة استعداد قصوى وهم قادمون من بعيد وأيديهم على اسلحتهم لتخيلهم ان عربتنا قد تعرضت لهجوم، هذا التأهب زاد من معدلات التوتر في العربة، وربما هو الشيء الذي أدى لأن يعم الصمت ارجاء العربة طيلة الساعتين اللتين استغرقهما الطريق الى قنيزيعة، وهي «أي قنيزيعة» وفقاً لمنسق الدعوة والإعلام والتوجيه بمنسقية الدفاع الشعبي بجنوب كردفان الشريف أحمد محمد برشم، هي البوابة المتقدمة لأم سردبة، وتم تحريرها في معارك الصيف الحاسم في العام السابق، وكان الهدف من تحريرها قطع الإمداد عن مواقع المتمردين في هيبان، وأبلت فيها القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي بلاءً حسناً. «5» وكان على رأس مستقبلينا قائد المنطقة العقيد ركن حافظ النور زكريا وأركان حربه من الضباط، ومن خلال جولة «الإنتباهة» بين الجنود وضباط الصف بدت الروح المعنوية عالية جداً للجميع، على الرغم من حالة التأهب العالية التي تعيشها القوات، والدليل على ذلك اقتراب العربات التي تقلنا من الدفاعات الخاصة بالموقع، فقد حمل الجميع اسلحتهم وتأهب كل منهم في موقعه تحسباً لأي طارئ، على الرغم من انهم قد تلقوا اشارة بأن هناك زيارة الى موقعهم من قبل وفد الإسناد، ونقل قائد المنطقة للوفد ان الأوضاع جيدة، وان العدو على بعد «11» كيلومتراً من موقعهم، واشار الى انهم يؤمنون موقعهم بطريقة جيدة عبر الدفاعات الموجودة وفرق الاستطلاع والدائرة التأمينية للموقع التي تزيد وتنقص وفقاً للأوضاع، وذهب بنا العقيد وضباطه لجبل في منتصف المعسكر تنتصب فيه وحدة المراقبة المتقدمة بالمنظار بعيد المدى الذي يوضح لهم حقيقة الاوضاع من على البعد، واكد العقيد ان العدو الآن في حالة رعب عالية جداً وخوف، وانهم اصبحوا يتمنون أن تمطر السماء، وان يبدأ الخريف ليرتاحوا من المعارك. «6» بعد الجولة تناولنا الإفطار مع القوات، وبدأت الحياة تسير بتناغم في المعسكر من حيث الطعام الجيد وتوفر المياه الجيدة والنظيفة عبر الآبار والتناكر، فضلاً عن وجود مخابز صغيرة قامت القوات ببنائها لتوفير الخبز الطازج طيلة فترة بقائهم، وبدا واضحاً ان القوات تعيش حالة نفسية جيدة، خاصة ان القيادة العسكرية وفرت لهم كل احتياجاتهم، وحتى الكهرباء ونوادي المشاهدة متوفرة لديهم، وعندما نصب الطاقم الفني الـ «ساوند سيستم» التف الجنود على موقع الاحتفال الذي انطلقت منه الأناشيد والأهازيج القوية التي هزت الجبال المحيطة، وبلغ مداها حتى آذان المتمردين القريبين للموقع، وزادت من معدلات الرعب بدواخلهم بسبب الروح المعنوية العالية للجنود، خاصة وهم يهتفون بجاهزيتهم «وكل القوة كاودا جوا». «7» ويؤكد قائد المجاهدين بـ «قنيزيعة» ان مقاتليه جاهزون ومستعدون لأية مهمة او معركة تؤكل اليهم، وقطع بأنهم لا يكلون او يملون او يلينون، وانهم على اهبة الاستعداد على الدوام، ويبدو ان المعنويات التي اتينا لنرفعها لم تكن تحتاج الينا كما قال لاحقاً المتحدث باسم وفد الإسناد د. عبد الحميد أسوسة الذي قال: «إننا أتينا لنحمل المعنويات من الموجودين، وبلغ الحماس بأسوسة عندما رأى زمجرة وزئير المقاتلين، ان رفع التمام لقائد المنطقة العقيد ركن حافظ، معلناً استعداده للانخراط الفوري في القوات لاداء أية مهمة يكلف بها، ويؤكد أسوسة ان المتمردين قد تلقوا هزائم ساحقة، وقال: «ما فضل ليهم الا يقولوا واااااااي»، واكد ان سر نصر القوات في انها تقاتل من أجل عقيدة وليس من اجل مغانم. «8» ويبدو أن الحماس الدافق قد قاد احد المجاهدين الشيوخ لأن يختطف المايكرفون ويقول بصوت متهدج انه قد قدم ثلاثة من الشهداء وانه مستعد للموت من اجل البلد، وأكد انه لا يخاف على الاطلاق الا من خالقه، وقال موجهاً خطابه للعقيد انه مستعد الآن للتقدم للأمام متى ما تلقى التعليمات لتحرير كاودا، مما جعل كل القوات تردد بصوت عالٍ اهتزت له الجبال بالمنطقة «قدرا.. قدرا». وبدروه اكد قائد المنطقة العسكري العقيد زكريا أن كل القوات المسلحة تعمل على تأمين كل البلد لينعم كل سوداني بالامن والاستقرار، وقال: «ما يلينا نحن قدرو»، ويمضي العقيد للقول انهم يحاربون ويقاتلون من أجل السلام، ويتابع قائلاً: «الحرب دي اسمنا زي ما السلام اسمنا»، وتعهد ببذل كل غالٍ ونفيس لصالح البلدو طالباً من الله ان يقويهم ويثبتهم. وتفاعل الجميع مع اهازيج واناشيد المنشد عبد الفتاح، وتفاعل معه الجميع خاصة العم المجاهد حمد علي حمد الذي بدا وجوده في هذه الانحاء غريباً، خاصة أنه يبلغ من العمر «55» عاماً، الا انه قال انه يزداد شباباً بالجهاد الذي بداه قبل اكثر من «20» عاماً. وعقب ذلك الموقع توجهنا لمنطقة «أب سفيفة» التي توجد بها محطة متقدمة للقوات المسلحة «الكتيبتان «282» و «284» التابعتان للقيادة الشرقية سنكات، وتفاعل الجميع مع وفد الإسناد كما يجب ويزيد. نواصل في الحلقة القادمة المهمة: > «الإنتباهة» داخل أم سردبة والعتمور والأحمر. > تفاصيل الهجمات على القوات في المشتركة. > سر الطريق الملغوم الذي سار فيه الوفد. > ولماذا دمر المتمردون مسجد العتمور؟

الانتباهة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *