زواج سوداناس

الكهرباء والمياه والبنزين.. ثلاثية القلق الرمضاني



شارك الموضوع :

بعبارات غليظة، جزم الموظف بإحدى المؤسسات الاقتصادية الذي كان جبينه يتصبب عرقاً وهو يرمي كلمات كالحمم البركانية عندما سألته عن المدة الزمنية التي قضاها أمام محطة الوقود بشارع عبيد ختم أطول شوارع العاصمة الخرطوم: (والله ما عارفين نلقاها من وين ولّا من وين؟) واستطرد قائلاً:(أنا طالع من بيتنا من الساعة عشرة صباحاً وهسه تمضي نحو الواحدة ظهراً وأنا أقف أمام محطة الوقود لأعبئ خزان سيارتي ولأني لا أستطيع الذهاب إلى مكان لنضوب بنزين سيارتي فسأظل مرابطاً حتى تنفرج الأزمة). وأضاف: (والأكتر من كده خليت الكهرباء في البيت مقطوعة رغم التأكيدات الحكومية بأن التيار الكهربائي سيكون مستقراً خلال شهر رمضان).
انتهى حديث الموظف، الذي فضل حجب اسمه، لكنه رسم في ذات الوقت بكلماته بداية قضية أخرى تشغل بال الناس والشارع السوداني هذه الأيام، وهي ثنائية قطوعات الكهرباء وأزمة البنزين التي تسببت في تعطل عدد كبير من السيارات وزيادة أزمة المواصلات داخل العاصمة التي تتصبب عرقاً من سخونة الأجواء ويضطر سكانها إلى الزحف على أرجلهم بعد أن تكالبت عليهم أزمة المواصلات وندرة البنزين.
في مكان غير بعيد من ذلك الشارع المكنى بـ(عبيد ختم) تبدو سيارات من كل الألوان والماركات يهوم أصحابها على غير هدى من محطة بنزين لأخرى علهم يجدون ما يعين سياراتهم على قضاء مشاويرهم وتطفئ في ذات الوقت ظمأ خزانات وقودهم ومعها (اللمبة) الحمراء داخل طبلون السيارات، وفي جولة ميدانية لمحرر (المجهر) لا تخلو من البحث عن حقيقة الأزمة وتعبئة خزانه هو الآخر بالبنزين، لاحظ تكدس عدد كبير من السيارات في معظم محطات الوقود بالعاصمة القومية بالخرطوم وأم درمان وبحري، لكن ظمأ السيارة للوقود لم يكن أقل من ظمأ المحرر الذي قوبل بردود مقتضبة من أغلب العاملين بمحطات الوقود الذين كانت إجاباتهم شبه متفق عليها بأنهم لا يعلمون شيئاً عن ندرة البنزين، وكانت اللعنات الساخطة تتالى وتتابع من أغلب أصحاب السيارات الذين قالوا إنهم أسقط في يدهم تماماً ولا يعرفون ما يصنعون جراء انعدام الوقود وتعطل مصالحهم بشكل كبير للغاية وبشكل غير متوقع.
التبريرات الواهية التي دفعت بها وزارة الطاقة عبر الصحف خلال الأيام السابقة من أن هناك إلزاماً للشركات الموزعة بعدم تفريغ البنزين في المحطات الصباحية تحوطاً من حدوث إشكالات بسبب ارتفاع درجات الحرارة لم يقنع أغلب الذين تحدثوا إلى (المجهر)، فقد أكدوا أن هذا الأمر ليس سبباً مقنعاً لهذه الأزمة، ففي بعض المحطات لم تحدث علميات تفريغ بنزين لعدة أيام، كما أن البلاد ظلت طوال الفترات السابقة تعاني من ارتفاع درجات الحرارة بصورة متوالية ولم تحدث أية مشاكل في هذا الجانب، كما أن بعض المحطات اشتكت من تقلص حصتها من الوقود.
{ أزمة كهرباء.. تطال البرلمان
صبيحة أمس وصلت الأزمة إلى أعلى هيئة تشريعية بالبلاد، وهي المجلس الوطني، الذي حدث به تعطل جزئي في أجهزة التكييف بالبرلمان بسبب الكهرباء ما اضطر النواب والصحفيين إلى استخدام الأوراق داخل الجلسة لطرد العرق والسخانة، في مشهد كان لافتاً للغاية داخل قبة البرلمان، التي غابت عنها سخونة الجلسات فاستعاضت عنها بسخونة الأجواء.
وشهدت قبة البرلمان ومكاتب أخرى داخل مبنى المجلس الوطني  تعطلاً في أجهزة التكييف، وكانت الأجواء خانقة ولا تطاق، وهو الأمر الذي جعل رئيس المجلس الوطني “أحمد إبراهيم الطاهر” يعلق على الأمر بإشاراته الساخرة في نهاية الجلسة إلى عدم وجود شكوى من ضربات شمس داخل قبة البرلمان.
وإن كانت أزمة الكهرباء قد طالت نواب الشعب أنفسهم ولم يجعلهم هذا الأمر يحركون ساكناً، فإن كثيراً من المواطنين تحدثوا لـ(المجهر) مبدين ضجرهم الكبير من انقطاع الكهرباء عن منازلهم رغم التأكيدات الحكومية المتتابعة بانتظامها خلال شهر رمضان، وقال المواطن “ح. ن” لـ(المجهر) إنهم يلجأون خلال شهر رمضان إلى استخدام الثلاجات كثيراً لحفظ المواد الغذائية و(الطبيخ) لعدم قدرتهم على تجهيزه بشكل يومي، مشيراً إلى أن انقطاع الكهرباء سيفسد الأطعمة كما أن تذبذب التيار الكهربائي في كثير من أحياء العاصمة سيؤدي إلى تلف الأجهزة الكهربائية، وطالب “ح” الحكومة بأن تتخذ التدابير اللازمة وترحم الناس خلال شهر الرحمة، حسب قوله.
{ المياه.. صفوف لا تنتهي
كان المنظر في حي الجريف غرب شرقي العاصمة الخرطوم غريباً للغاية، كانت قارب الساعة تمضي نحو الثالثة من فجر، أمس الأول (الاثنين)، ورغم أن هذا الوقت من اليوم عادة ما يخلد فيه الناس للراحة والنوم حتى يهيئوا أبدانهم ليوم عمل باكر، إلا أن الحال كان معكوساً تماماً، ففي أغلب الأحياء كانت صفوف (الجرادل) و(الجركانات) و(الأواني الكبيرة) تتزاحم أمام (خرطوش) قضى عليهم بالسهر ومتابعة نزول ودق المواسير والحنفيات، وتمتد تلك الحالة لأغلب المنازل حتى بزوغ شمس اليوم التالي وهو مشهد تكرر كثيراً في الأيام الأخيرة. ورغم اعتراف الحكومة بوجود تقصير وعجز في المياه إلا أن بطء المعالجات جعل عدداً من أحياء العاصمة تخرج في تظاهرات مطلبية لتوفير المياه التي يعدّ غيابها غياباً لأسباب الحياة.
ثلاثية المياه والكهرباء والبنزين تطوق عنق العاصمة الخرطوم، ورغم أهمية هذا الثلاثي في توفير حياة كريمة للمواطنين إلا أن أزمتها ليس ثمة ما يشي بقرب انفراجها قريباً، فالأمر برمته يمضي الآن من سيء إلى أسوأ، وتزداد بالتالي حالة الناس ضنكاً وصفوفاً وسهراً.

 

المجهر السياسي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *