زواج سوداناس

حصة الحمود الصباح : “فصل الدين عن الدولة”



شارك الموضوع :

يقول المفكر والأديب عبدالرحمن الكواكبي إن “الدين هو ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع”، ولقد تحدث العلامة الكواكبي كثيرا عن الاستبداد الديني في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، ولا شك في أن هذا النوع من الاستبداد والتسلط باسم الدين أثر كثيرا على شعوب الأرض وتطور الحياة فيها ونهضتها وعمرانها، الذي اتضح جليا في أوروبا العصور الوسطى، حيث الصراع الكاثوليكي- البروتستانتي من ناحية، وأيضا اضطهاد رجال الكنيسة عموما للعلم والعلماء وقتلهم لكل من يهدد سلطانهم وهيمنتهم على عقول الناس بحجة هرطقة العلماء وتجديفهم، وأن علومهم تخالف النصوص الدينية، وهي علوم شيطانية لإضلال الناس!

ومع الأسف، يزخر تاريخنا الإسلامي في المنطقة العربية أيضا بالصراع الطائفي السني- الشيعي، الذي لايزال يتأجج إلى اليوم، بسبب دعاة الفتنة الذين تختمر عقولهم بالفكر المذهبي والتحريض على المخالف لا لدين الحق ونهضة أمة، ولكن لإشباع الرغبات الشيطانية في القتل والتسلط والانتصار للفكر الضيق المدمر من الطرفين السني والشيعي، الذي رأيناه واضحا جليا فيما يسمى بثورات الربيع العربي، وكيف تتم برمجة العقول وتجييش الجيوش للقتل والحرق والتدمير الذي لن نتجاوز آثاره إلا بعد أمد بعيد.

نستخلص من الأمثلة سابقة الذكر في مقالنا هذا، وهي غيض من فيض ما يزخر به ماضينا وحاضرنا ولعله مستقبلنا لا قدر الله، أن هذه الصراعات الدموية على أساس ديني أو مذهبي أو أيديولوجي لن تنهض بأمة أو جماعة من الناس، لأن التاريخ والتجربة والحكمة أخبرتنا أن التعايش السلمي والحريات والحوار الثقافي المعرفي وحفظ الأنفس المعصومة من العدوان عليها، هي الأساس الذي تبني عليه الشعوب العظيمة منهجها وحياتها ونهضتها، لذلك عندما نطالب بفصل الدين عن الدولة في عصرنا الحديث، فنحن نحمي الدين والدولة وحقوق الناس وحرياتهم، لأن الأديان عقائد وثوابت وفروع، أما السياسة وإدارة شؤون الناس، فهي متغيرات ومصالح وتحالفات تتغير وتتبدل وليس فيها ثوابت.

الدولة ترسخ مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان وكذلك الدين، ولكن مع الأسف أغلب رجال الدين يمارسون الإقصاء مع المخالف وحرمانه من حقوقه في وطنه وأرضه، لا لشيء إلا لأنه يتبع الأقلية وليس الأغلبية، ما يجعل هذا المنطق المتعسف نواة للصراع بين الأغلبية والأقلية في مناطق كثيرة.

عندما نطالب بفصل الدين عن الدولة فنحن نحمي الدين ورسالته من الاختطاف على أيدي مجموعة من البشر لا تدين إلا بقتل وتفجير الأبرياء.

عندما نفهم ونتدبر معنى الدين لله ومعنى الدولة للمواطنين ومسؤولية كل منهما، سنعلم يقينا أن الفصل بينهما نتيجة حتمية للحفاظ على حق كل إنسان في الحياة الكريمة من دون قهر وظلم أيا كان دينه أو لونه أو جنسه.

يجب علينا جميعا نحن البشر أن نبحث عن المشتركات السلمية ونحترم حقوق بعضنا البعض حتى نضع حدا للدائرة الانتقامية التي لا تفرّق بين الناس جميعا.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *