زواج سوداناس

ماذا تعرف عن متلازمة «الصفحة الفارغة»؟ وكيف تتغلَّب عليها؟


عمل - رجل

شارك الموضوع :

هل شعرت يومًا ما باعتبارك كاتبًا أو مدونًا بالاختناق، وبأنك عاجز عن كتابة حرف واحد في مقال أو قصة أو حتى رواية جديدة؟ هل راودك إحساس ممض بأن عقلك متعب وقلمك أو لوحة مفاتيحك غير قادرين على مطاوعتك، وأن «الصفحة الفارغة» تضع مشروعك الإبداعي كله على المحك؟

هي حالة نفسية تدعى «قفلة الكتابة» أو «متلازمة الصفحة الفارغة»، مسَّت كبار الأدباء وعانى منها عددٌ كبير من الكتاب، نتعرف في هذا التقرير على أسبابها، وأشهر الحالات المصابة بها، وأيضا سبل التغلب عليها.

ما هي متلازمة الصفحة الفارغة؟

يمكن تعريف متلازمة الصفحة الفارغة بأنها حالة نفسية مرتبطة بالكتابة، لها علاقة بعدم قدرة مؤقتة على البدء أو المتابعة في الكتابة بسبب خوف أو قلق أو عدم وجود إلهام.عندما يفقد المؤلف أو المدون القدرة على إنتاج عمل جديد أو يتعرض عمله الإبداعي للتأخير اللاإرادي، وتتراوح أعراض الحالة بين صعوبة العثور على أفكار أصلية وعدم القدرة على إنتاج عمل مناسب لمدة قد تصل إلى سنوات طويلة.

يختلف الكتاب والمحلّلون في ما إذا كانت هذه الظاهرة موجودة حقًّا، فلكل واحد منهم رأي مخالف للآخر، فالشاعرة «جوليا كاسدورف» مديرة مؤسسة «pen» التي تعقد برامج في الكتابة الإبداعية تقول «نعم، القفلة حقيقية، فعندما تكون مهنة الكتابة مرتبطة ومتشابكة مع هويتك الشخصية أو أن إنتاجك هو ما يضمن لك بقاءك مسيطرًا، فإن هذا يزيد من درجة التوتر، القفلة مقاومة هائلة تُبنى داخل الإنسان يمكن وصفها بخوفٍ مكثَّف».

أمَّا الكاتب «دايفيد تايلور» فله رأيٌ مغاير، إذ يقول «لا أؤمن بقفلة الكاتب، إنها مصطلح عام جدًّا مثل مصطلح آلام الظهر، وتصل درجة عموميّته إلى أن يصبح بلا معنى لتشعب الأعراض والأسباب وكثرة أساليب العلاج تبعًا لسببها».

ما هي أسبابها؟

اجتهد عدد كبير من العلماء والمحللين النفسيين في محاولة لتقديم تفسير منطقي لهذه الحالة، فأرجعها بعضهم إلى التوتُّر النفسي، وصعوبات الحياة، وربطها البعض الآخر بتطرق الكتاب والأدباء السابقين في كتاباتهم لكلِّ شيء في الحياة، ما يمثل صعوبة متجددة ومعتادة أمام كل من يحاول أن يبدع شيئًا جديدًا، ويمكننا أن نضيف أيضًا ضغط العمل ووجود مواعيد محددة لتسليمه، ما قد يُسهم أيضا في تفجير أعراض المتلازمة، ولا ننسى أيضا الأسباب الجسدية التي تسهم في خلق المشكلة، كقلة النوم، وكثرة السهر، والإرهاق العام، وضعف الشهية.

وقد اتفق معظم الكتاب والمبدعين على حصر أسباب إصابتهم بمتلازمة الصفحة الفارغة في الأسباب التالية:

الإصرار على كتابة كل شيء دفعة واحدة دون أي تخطيط أو دراسة مسبقة.
عدم وجود معرفة كافية للبدء في موضوع معين، وانعدام مصادر البحث الكافية في الموضوع.
استهلاك الأفكار الأساسية الجيدة في أعمال سابقة والشعور بعدم القدرة على اختلاق أفكار إبداعية أخرى.
أسباب جسديّة كما أسلفنا الذكر، ترتبط بقلة النوم والتعب الجسدي والاكتئاب وغيرها.
أسباب نفسيّة متعلقة بالخوف من الفشل وأحيانًا الخوف أيضا من النجاح، كما أن النقد الداخلي قد يلعب دورًا في تفاقم الوضع إذا تجاوز الحد المسموح به بطريقة غير محتملة.
قد ترتبط متلازمة الصفحة الفارغة بمكان الكتابة والجو العام الذي يحاول الكاتب ممارسة الكتابة فيه.
عدم وجود اهتمام كافٍ واستمتاع شخصي بالموضوع الذي يشتغل عليه الكاتب أو المدون.
وفي هذا الصدد يعود الكاتب «دافيد تايلور» ليضيف «السبب وراء هذه الحالة ليس نفسيًّا بل هو عدم معرفة الكاتب ماذا سيكتب، هذه الحالة تصيب أغلب الذين يعانون من قفلة الكاتب كما لاحظت. مفتاح معرفة ماذا ستكتب هو الشكل الذي ستكتب به مادتك (مقال، قصة…). تخيّل نفسك تريد أن تصنع كرسيًّا دون وجود أي فكرة مسبقة عن شكل الكرسي، وكيف يكون شكله وما هو استخدامه. كل يوم أتعامل مع كتّاب يقومون بذلك، محاولة كتابة مقال، قصة، رواية. دون معرفة أجزائها وتقسيماتها والغرض من كل جزء. ولا أتكلم هنا عن صيغة الكتابة التي تُستعمل لإخراج نص بهويّة معينة (رومانسي، درامي، كوميدي…) بل أتحدث عن الشكل: البنية الأساسية التي تعطي للكتابة شكلًا كما يُعطى الماء شكل الإناء الذي يوضع فيه. خبراء كثيرون يقولون ابحثْ وخطّط بدقة، وهذه نصيحة جيدة، ولكن المشكلة الحقيقية تقع قبل التخطيط والبحث وهي عدم معرفة النمط المؤسس لنوع الكتابة الذي تكتبه أنت والذي يُعرف أيضًا بالقالب».

«كتَّاب مشاهير» عانوا من متلازمة الصفحة الفارغة

كثيرة هي حالات كبار الكتاب ومشاهير الأدباء الذين واجهوا متلازمة الصفحة الفارغة، نتعرف هنا على بعضها:

إرنست هيمنجواي (1899-1961)

كاتب أمريكي أشهر من نار على علم، وأحد أهم روائيي وقصاصي الولايات المتحدة الأمريكية، حصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1954، ومن أشهر أعماله «العجوز والبحر» و «وداعًا للسلاح».

عندما سئل الكاتب الكبير عن أكثر ما يخيفه قال «ورقةٌ بيضاء»، مع أنه عمل سابقًا مراسلًا حربيًّا وسبق له أن نجا من الرصاص، وصارع ثورًا في إسبانيا، وخرج في رحلة صيد للحيوانات المفترسة في إفريقيا، ومع ذلك ظل هاجسه الأكبر ورقة بيضاء تتحدى قدرته على التعبير.

جون شتاينبك (1902-1968)

مبدع أمريكي آخر حاصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1962، والمشهور برواية «عناقيد الغضب» وأعماله المتطرقة لقصص الحرب العالمية الثانية. بسبب قفلة الكتابة، استغرقت كتابته لرواية «فئران ورجال» 10 سنوات كاملة.

فرانز كافكا (1883-1924)

كاتب تشيكي ورائد الكتابة الكابوسية بامتياز، اشتهر برواية «المسخ» التي نشرت عام 1915، لكن معظم أعماله الأخرى نشرت بعد وفاته، إما كاملة بسبب رفضه نشرها، أو منقوصة لعجزه عن إتمامها بسبب متلازمة الصفحة الفارغة.

كيف تتخلص من متلازمة الصفحة الفارغة؟

تقول الشاعرة «جوليا كاسدروف» أن التحدث عن هذه المشكلة وتعمّد نسيانها وممارسة التمارين التي تساعد على الإنتاج يمكن أن يحطم جدار الصمت، ومن هذه التمارين تمرين اعتادت أن تدرب طلابها عليه في جامعة نيويورك «ألتقي بالطلاب أسبوعيًّا ساعة للتحدث عن مشكلتهم، يقوم الطالب بكتابة أو تسجيل الأفكار التي تخطر له بدون أي ضغط بجلسة تستمر لمدة 20 دقيقة يبقى فيها القلم يتحرك حتى لو كرر فيها الشخص الكلمة عدة مرات، فيساعد ذلك الكاتب على التنفيس خلال فترة قفلته».

أما الكاتب «ميشيل حنَّا» فيقول: «يمكن تحديد وقت مخصص للكتابة، بغض النظر عن مستوى جودة الكتابة التي يتم إنتاجها، وتخصيص وقت للكتابة الحرة وكتابة الخواطر، وتحدي الأفكار السلبية التي تراود الكاتب بخصوص مستوى كتابته وقدراته مع ممارسة بعض التدريبات الكتابية، وأخذ فترة من الراحة والخروج للنزهة وشمّ الهواء، والتوقف عن الكتابة يومًا أو يومين ثم العودة إليها مرة أخرى».

لا توجد وصفة سحرية للتغلب على متلازمة الصفحة الفارغة، لكن يمكن اتباع عدد من الخطوات التي اتفق الخبراء على نجاعتها وقدرتها على التعامل مع المتلازمة والحد من تأثيرها.

امتلاك الجرأة للكتابة «السيئة» وعدم البحث بشكل مبالغ فيه عن المثالية المطلقة.
الكتابة في المواضيع التي تهمّ الكاتب أو المدون، والتي يستمتع بكتابتها.
الكتابة مع شخص آخر وقراءة المكتوب بصوت عالٍ.
التحوّل من الكتابة على الحاسوب إلى الورقة والقلم أو العكس.
ممارسة الرياضة التي تلعب دورًا هامًا في التغلب على المشاعر السلبية.
تغيير مكان الكتابة.
تقسيم العمل الكتابي إلى مهمات يسهل تحقيقها.
الكتابة تحت اسم مستعار، والابتعاد بشكل مؤقت عن ضغط الخوف على سمعة الكاتب الإسمية.
رسم خارطة ذهنية للأفكار التي سوف تُطرح للمساهمة في دفق الأفكار وترتيبها.
تجاوز الجزء الذي يعجز الكاتب أو المدون عن كتابته إلى أجزاء أخرى.
الكتابة عن الكتابة نفسها، وعن عدم القدرة على الكتابة.

ساسة بوست

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *