زواج سوداناس

المخاوف من المخاطر الصحية لا تزال حاضرة أبراج الاتصالات.. مرض الشبكات يسري في العروق



شارك الموضوع :

المجلس الأعلى للبيئة أزال عدداً من الأبراج لعدم استيفائها الشروط

منظمة الشفافية: هيئة الاتصالات اتفقت مع الشركات على عدم تركيب أكثر من برج في الموقع الواحد

حماية المستهلك: لم يثبت حدوث أضرار صحية بسبب الأبراج

أبدت الحاجة سكينة تعجبها وهي تنظر عبر نافذة الشقة التي تقطنها بحي أركويت بالخرطوم إلى الشارع، أبدت دهشتها من تكرار توقف عربة مظللة بالقرب من العمارة السكنية التي توجد بها، وحينما عجزت عن تفسير هذا الأمر الذي ظل يتكرر لمدة شهر كامل لم تجد غير البوح لابنها الدكتور كمال عن العربة المظللة، الذي بدا أيضاً مهتماً، وقبل أن يبدأ في تقصي حقيقة هذه العربة، تفاجأ سكان الحي الراقي ببدء عملية تركيب برج ضخم بناية مشيدة من ثلاثة طوابق، لتنبعث الهواجس وتغطي سماء الحي الذي خشي مواطنوه من التأثيرات السالبة التي تنبعث من الأبراج.

جدل واختلاف
كثر في الآونة الأخيرة الجدل حول تأثير أبراج تقوية إرسال الهواتف المحمولة على صحة الإنسان، وما قد تسببه من أضرار على وظائف المخ والجهاز العصبي خاصة الأبراج التي تقام في المدن فوق أسطح المنازل ووسط الأحياء السكنية ويكون البرج الواحد قادراً على تغطية الإرسال والاستقبال في دائرة نصف قطرها بضعة كيلو مترات، ويتداخل مجال عمل كل برج مع مجالات عمل الأبراج الأخرى، ولا يقتصر خطر الهاتف على الجهاز وحده وإنما يمتد ليصل محطات الإرسال التي تحتوي على مجالات كهرومغنطيسية، حيث تؤكد العديد من الدراسات خطورة هذه المحطات على صحة الإنسان، بينما تنفي دراسات أخرى ذات الأمر.

أبراج شاهقة
تقول الحاجة سكينة في حديثها لـ(الصيحة) إنها وحينما اتضحت لها الصورة كاملة لم تصمت بل احتجت على ذلك لأن البرج يعتلي الشقة التي تقطنها في ذات العمارة ذات الطوابق الثلاثة، وجاءها الرد صادماً من مالكها الذي قال لسكان العمارة المحتجين” من يرفض تركيب البرج عليه مغادرة البناية”، وقالت: اتضح أن شركة الاتصالات التي شيدت البرج قد استأجرت السطح لمدة عشرة أعوام نظير مقابل مادي ضخم.

جولة ميدانية
بعد أن استمعت إلى الحاجة سكينة فضلت تسجيل جولة على العمارة التي يوجد بها البرج، فقال ابنها الدكتور كمال إن العمل في التركيب استمر ثلاثة أسابيع كانت مثل الكابوس بالنسبة لهم بداعي الضجيج الذي كان يستمر طوال ساعات اليوم دون مراعاة للسكان.

وتعود الحاجة سكينة وتشير إلى أن الشركة ومالكة العمارة كان عليهم إخبار سكان المنطقة بحقيقة تركيب البرج، وذلك لأن أحاديث كثيرة تدور حول أبراج الاتصالات وتسببها في الإصابة بالكثير من الامراض ومنها السرطان، وقالت إن الكثير من السكان فضلوا الانتقال إلى أحياء أخرى خوفاً من التعرض للإشعاعات المنبعثة من البرج، مشيرة إلى أن المحلية أكدت عدم معرفتها بالموضوع، مؤكدة أن كل الجهات الحكومية التي دفعوا بشكاوى إليها أكدت عدم معرفتها بالامر، وتساءلت: هل يعقل أن يتم أبراج اتصالات في أحياء سكنية دون الحصول على تصديق الجهات المختصة في المحلية والمجلس الأعلى للبيئة، مؤكدًا أن الجهات المختصة تتهاون بحياة المواطنين لعدم اهتمامها بقضية تركيب أبراج الاتصالات وسط الأحياء السكنية رغم مخاطرها الجمة، ومن خلال تجوال “الصيحة” بحي أركويت وقفت على وجود عدد كبير من الأبراج الخاصة بتقوية شبكات الاتصال، وقد أبدى لنا أكثر من مواطن تخوفهم من أن تتسبب في إصابتهم بأمراض مختلفة، وقد قرر عدد من السكان رفع دعاوى قضائية ضد أصحاب العقارات التي توجد بها أبراج اتصالات.

تباين غريب
في حي الكلاكلة جنوب الخرطوم تبدو الصورة مختلفة تماماً وتتمثل في أن من تختار الشركة منزله لتشييد برج فإن السكان يعتبرونه محظوظاً لحصوله على مقابل مادي جيد، بل ويقدمون له التهانئ.

وحول هذا الأمر يشير خالد الصادق إلى أن ذلك يسهم في تقوية شبكة الاتصالات ونفى علمه بتسبب الأبراج في الإصابة بأضرار صحية، مؤكداً أن مثل هذه الأحاديث عارية من الصحة، ولا توجد أدلة علمية تثبتها.

وفي جبل أولياء رفض رجل تم تركيب برج في منزله الإفصاح عن القيمة المادية التي نالها، ونفى أيضًا علمه بحدوث أضرار صحية ناتجة عن الأبراج.

إجراءات قانونية
في امتداد ناصر بالخرطوم وخلال تجوالنا للوقوف على قضية هذه الأبراج، فقد أفادنا مواطنون بإيقافهم عملية تشييد برج، وذلك لأن صاحب المنزل لم يخطر الجيران ويحصل على موافقتهم، وأفادنا مواطنون أن معظم الأبراج الموجودة لم تحصل الشركات التي شيدتها على التصاديق المطلوبة.

وفي بري تمكن مواطنون بأحد الأحياء من إيقاف عمل أحد الأبراج بعد أن رفضوا وجوده.

المجلس الأعلى للبيئة
بعد ذلك توجهت نحو المجلس الأعلى للبيئة، وسألت مدير الإدارة العامة للحد من المخاطر والكوارث المهندس عبد الله عوض بشير، عن توجس المواطنين من أبراج الاتصالات التي يتم تركيبها في الأحياء من أن تتسبب في إصابتهم بأمراض فقال إنهم أزالوا عددا كبيراً من الأبراج لعدم استيفائها الشروط المطلوبة، وكشف في حديثه لـ(الصيحة) عن خفضهم للإشعاعات الكهرو مغتطيسية “الانترشانول بوين” من أربعة إلى اثنين، ويقول إنه تم الفحص عن طريق جهاز النار، وقال إن ما ثبت لهم أن النسبة الموجودة أقل من كثافة الهواتف، مبيناً تعديل لائحة العام 2010 في العام الماضي تتعلق بالإشعاعات غير المرئية والارتفاعات المطلوبة والالتزام باللوائح، وأكد أن من يخالفها يتم سحب ترخيصه، وقال إن الأبراج أصبحت “تتخذ” أشكالاً هندسية أفضل ومقبولة للبيئة والمنظر، فالقديمة كانت تسبب أضراراً مباشرة خاصة للطيور المهاجرة من أوربا وجنوب أفريقيا التي تسافر في مسارات معروفة وحينما تعترضها الأبراج تتسبب في نفوقها، ونفى وجود حالات لسقوط أبراج، موضحاً تسجيلهم زيارات ميدانية حينما يتلقون شكاوى وذلك للوقوف على حجم الإشعاعات، مؤكداً الحاجة لأبحاث أخرى لمعرفة هل تتسبب الأبراج في الإصابة بأمراض أم لا.

أضرار صحية
بالمقابل، فإن استشارى أمراض علاج الأورام والمدير السابق لمتسشفى علاج الأورام “الذرة “، وحينما سألناه عن الإشعاعات الصادرة من أبراج الاتصالات هل تضر بالصحة وتتسبب في الإصابة بأمراض مختلفة، قال: توجد خواص فيزيائية وبيولوجية وكيميائية للإشعاعات، وفيما يتعلق بأبراج الاتصالات فتوجد معايير دولية متعارف عليها تحكم عملية تركيبها، ورغم عدم تأكيده تسببها في حدوث أمراض، إلا أنه اعتبر معظم الأجهزة الكهرو مغنطيسية تسبب خطورة، ولكن رغم ذلك لا يمكن الاستغناء عنها.

المواصفات تنفي
وجهتي الثالثة كانت هيئة المواصفات والمقاييس، حيث نفت وداد كنتور علاقتهم بأبراج الاتصالات، وقالت إن عدداً من الجهات هي المسؤولة عنها مثل الهيئة القومية للاتصالات وغيرها.

التشريعي يتدخل
وكان المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، قد أجاز لائحة تنظم عمل تركيب الأبراج، وجاء في قراره: نظرًا للمصلحة العامة فقد تمت إجازة لائحة الإشعاعات غير المؤينة لعام “2016”م على أن تكون وفق معايير معينة وبارتفاعات معينة، وألغت لائحة “2010”م، كما تقرر أن يتم قياس الشبكة قبل تركيبها بواسطة قياس جهاز النار، كما تقرر منع تركيبها على أسطح المستشفيات ودور العبادة “مساجد ــ كنائس “، بالإضافة إلى مؤسسات التعليم بصفة عامة التي تشمل “الخلاوى والمدارس والجامعات “.

ورغم الحديث عن إجازة تشريعي الولاية للائحة إلا أن العضو جابر محمود مضوي نفى تماماً أن يكون مجلسهم قد أجاز هذه اللائحة، بل أكد أنها لم تعرض عليه من قبل، وقال إن هذه القضية تشمل كل ولايات السودان، وليس الخرطوم وحسب، بل إن المسؤولية اتحادية وليست من صميم عمل الولايات، مجدداً التأكيد على عدم عرض اللائحة على المجلس التشريعي.

الذبذبات والمسارات
من ناحيته، أشار الخبير في هندسة السلامة المهنية والصناعية بجمعية حماية المستهلك المهندس مترضى علوب، إلى أن أبراج الاتصالات لم يثبت ضررها حتى الآن، وقال إن شركات الاتصالات تعمل وفقاً للمعايير الدولية المتعلقة بالموجات والذبذبات، ولفت إلى أن زيادة كثافتها قد تسبب ضرراً، إلا أنه أكد أن الذبذبات الموجودة حالياً ضعيفة وتنتقل عبر الأثير وتتحرك في مسارات أفقية من عمود إلى آخر ومن برج إلى آخر، وكشف أن هذه الأبراج موجودة في كل دول العالم، معتبراً اأطوال الأبراج تتراوح بين الخمسة عشر مترا إلى الثلاثين متراً وقال إن الإشعاعات المؤينة تختلف كلياً عن الكهرومغنطيسية لأن الأخيرة عبارة عن ترددات تنتقل في شكل موجات، مؤكدًا عدم تسبب الأبراج في إصابة اإنسان بمرض رغم أن عمرها في السودان عشرون عاماً، وقال إن منع تركيبها فوق المرافق العامة يأتي من باب الحرص على المواطنين لتجمعاتهم الكبيرة في المدارس والمساجد والمستشفيات على سبيل المثال.

شكاوى وشفافية
من ناحيته، يشير رئيس منظمة الشفافية السودانية الدكتور الطيب مختار إلى أن الأبراج مسؤولية هيئة الاتصالات والشركات، وكشف عن وجود اتفاق بينهما بعدم تركيب أكثر من برج في الحي أو الموقع الجغرافي الواحد، وأقر بوجود شكاوى، وشدد على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات حول هذا الأمر.

نفي
ويؤكد مصدر في شركة هاتف سيار أن أبراج البث ليس لها اي اثر سلبي على صحة الإنسان اوالبيئة، ويقول خبير: إذا استخدمت هذه الأبراج ضمن الشروط المناسبة وتقيّد المسؤولون بالارتفاعات والمسافات المسجلة دولياً وعدد الموجات والترددات اللازمة فإن الأبراج لن تشكل خطراً على صحة الإنسان، ويضيف: أما إذا وضعت هذه الأبراج بالقرب من المرافق العامة والمدارس فيمكن لها أن تحدث ضرراً وتسبب أمراضاً للإنسان وعلى ذلك، فإن الدراسات لم تستطع أن تثبت وجود صلة علمية مباشرة بين إصابة الإنسان بأمراض السرطان، ويبقى خطر هذه الأبراج وهواتفها الخلوية على صحة الإنسان والبيئة غير مؤكد يشوبه الشك وعدم اليقين، ويبقى العلماء في بحث دائم عن أي دليل يثبت أو ينفي ذلك.

الخرطوم: مياه النيل مبارك
صحيفة الصيحة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *