زواج سوداناس

السياسيون يصومون عن الحديث، ويخلفون فراغاً إعلامياً



شارك الموضوع :

عندما طلب مني خلال اليومين الماضيين متابعة خبر ما سحبت مباشرة سماعة الهاتف المحمول، للبحث عن (شمار) أو مستجد في الساحة التي تبدو كثيرا وكأنها في حالة موت السريري، كلما هبت نسائم الشهر الكريم. المهم أجريت اتصالات كثيرة مع أكثر من(12) قيادياً من أحزاب مختلفة، وجدت هواتفهم مغلقة، الأمر الذي تجسم لي في شكل صيام من نوع آخر يفرضه السياسيون على أنفسهم في إطار علاقتهم مع أجهزة الإعلام في هذا الشهر، شهر رمضان، بخلاف الصيام عن الطعام والشراب.
ويميل الكثير من الصحفيين خلال الشهر الكريم إلى التركيز على الملفات الاجتماعية، وأحداث الساعة وإلى جانب مواد المنوعات الخفيفة، لا لسبب سوى أن السياسيين عودونا، دائما أن في مثل هذا الشهر، يفضلون الاعتكاف والبعد عن التعاطي الإعلامي، الأمر الذي يعكس نوعاً من (رمضان) سياسي.
صيام عن السياسة ..
الخبير السياسي د.”صلاح الدومة”، يشير خلال حديثه لــ(المجهر) إلى أن السياسيين لا يصومون عن السياسة وإنما فقط يقللون من أنشطتهم، ذلك لأن طاقاتهم تقل بالصيام بجانب أن المتلقين أنفسهم، أي المواطنين، ليس لديهم قابلية للحديث عن السياسة في هذا الشهر، وذلك لأنهم ينشغلون بالعبادات أكثر من الأنشطة السياسية.
وأضاف “الدومة” بأن الحياة في السودان على وجه الخصوص،هي التي تتميز بهذه الأجواء الخالية من السياسة مقارنة بباقي الدول المحيطة.
نائب رئيس حزب الأمة القومي الفريق “صديق إسماعيل”، نفى اعتزاله عن التعاطي السياسي في رمضان، وقال إنه يقلل من نشاطه في رمضان، حيث يشهد الشهر توقفاً مؤقتاً للحياة السياسية بالبلاد وقال في حديثه لــ(المجهر) إن التعاطي مع السياسة أمر مهم، ومتجدد ولكن في أغلب الأحيان يتم بعيدا عن الإعلام، الأمر الذي قد يعكس بأن ثمة صيام سياسي يحدث، ولكن على العكس من ذلك فإن القيادات تمارس مهامها في هذا الفترة من العام بصورة طبيعية.
القيادي بالمؤتمر الوطني البروفسور “إسماعيل حاج موسى”، قال لـ(المجهر) إن هذه الإشكالية هي من إشكاليات المسلمين بكل بقاع العالم، وليس السودان فقط، وبالتالي فإن الركود يغطي كل إيقاع الحياة، وهي حالة نتاج فهم خاطئ. وزاد: لو رجعوا للتاريخ لوجدوا أنه شهر، في عرف المسلمين هو شهر جهاد وكل غزوات الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت في رمضان.
أما القيادي الاتحادي “علي نايل”، فقد قال لــ(المجهر) إن البلد أصلاً لم تعد بحاجة لسياسيين يتحدثون عنها، وزاد بالقول: إن السياسة في رمضان تكاد تنتفي، وذلك لأن المواطنين بطبعهم ،ليس لديهم قابلية للتعاطي السياسي، الأمر الذي يجعل الساحة غير متجددة. وزاد: إذا أردت أن تتأكد من ذلك فإن عليك بأن تراجع مسيرة الأحداث السياسية في شهور رمضان، من الأعوام الماضية عدا حدث مفاصلة الإسلاميين، في الرابع من رمضان.
رئيس حزب الحقيقة الفيدرالي، “فضل السيد شعيب”، علق على معرض الطرح وقال لــ(المجهر) إنه يمارس العمل السياسي بصورة طبيعية، نافيا بأن يكون هناك أي ركود مقارنة بالأيام العادية. وزاد: أخالفك هذا الرأي. وقال بأن هناك انتعاشة سياسية عبر الملتقيات والإفطارات والتجمعات.
فراغ سياسي وإعلامي …
ومن جانبه فقد اعترف الباحث الاجتماعي د.”أحمد آدم”، في حديثه لــ(المجهر) بأن ثمة فراغاً سياسياً كبيراً تشهده الساحة السياسية، في كل رمضان عازيا ً الأمر إلى الطبيعة السودانية، التي لا تقبل المواضيع الصارخة سياسيا واجتماعيا في هذا الشهر الكريم، بخلاف ما يروق لها من الطرح الخفيف، وأردف بالقول: إذا أجريت مسحاً فقط على مستوى المشاهدة التلفزيونية، ستجد أن البرامج الغنائية تكتسح السياسية، وذات الطابع الاجتماعي المتعلق بالظواهر، أياً كانت، سلبية أو إيجابية، بجانب أن أغلب الناس يأخذون عطلاتهم السنوية في هذا الشهر، تفاديا لأي شيء مزعج أو مرهق. والسياسة لدى السودانيين مرتبطة بـ(الإزعاج) والأحداث الساخنة المرتبطة بها، واحدة من أهم أفرع معاش الناس الاقتصاد.
وأشار “آدم” إلى أن السياسيين أنفسهم لا يحبذون قضاء رمضان بالبلاد، فتجد أغلبهم اختار المغادرة إلى مصر أو السعودية،، وباقي دول الخليج تفاديا لارتفاع درجات الحرارة ومقولة (رمضان سخن في الخرطوم).
فيما يرى المراقبون السياسيون أن رمضان يعد (قفلة) للساحة السياسية، وأشاروا إلى أن إعلان وتشكيل حكومة الوفاق كان بمثابة خاتمة لأعمال الساحة قبيل رمضان بأسبوعين، على أن تعاود عجلة السياسة الدوران عقب عيد الفطر، وعد المراقبون الأمر طبيعيا ومتعارفا عليه بكل الدول المسلمة، التي يركز فيها المسلمون بصفة عامة على العبادة والراحة ومراجعة النفس ،وجرد الحساب فيما مضى من عام، دون التركيز على السياسة. وأضافوا بأن السياسيين أنفسهم لا يحبذون بأن يكون لهم أي نشاط أو حدث ضجة في هذا التوقيت الذي يشعرون فيه بأنه مميت، يخلو من الحدث (الحدث الساخن) نظرا لانشغال الناس بأشياء أخرى.
وبالمقابل، إذا ما أجريت جرداً سريعاً لدفاتر السياسة والسياسيين في الشهر الكريم فلن تجد سوى أحداثا سياسية قليلة صنفت بأنها أحداث ساعة، حينها. ولعل أشهرها المفاصلة الشهيرة التي فرقت بين الإسلاميين، وقسمتهم بين جناحين، وحزبين بقيادة الترابي من جهة والرئيس البشير من الجهة الأخرى، حيث صدرت القرارات الشهيرة ، التي عرفت فيما بعض بقرارات الرابع من رمضان، وكرست هذا الانقسام على مستوى الحزب والدولة، والذي كانت له تأثيراته العميقة على مسيرة البلاد وتطورها السياسي..
وحتى يوم أمس (الثلاثاء) خلت الساحة من أي أحداث سوى عودة قيادات من العدل والمساواة ، للانضمام لركب السلام ، فيما يتوقع المراقبون عدم حدوث أي مفاجآت سياسية، كبيرة خلال ما تبقى من الشهر الكريم.

المجهر السياسي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *