النيلين
ضياء الدين بلال

كل شيء تمام !

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] كل شيء تمام [/B][/CENTER]

طبيب سوداني كان يروي بأسىً – قصة ذلك الشاب المصاب «بالفشل الكلوي»، وهو يقول لمجالسيه إن رغبة ملحّة تسيطر عليه، منذ أن فرض ذلك المرض اللعين سلطته الكاملة على جسده – قبل خمس سنوات – أن يكون في ضيافة أسرة، ويضطر للهمس بسؤال بسيط لأحد أفرادها: (آسف، دورة المياه وين؟)
مشاهد مؤلمة ومأساوية، تلك التي يخرج فيها عدد مقدر من مرضى الفشل الكلوي بالخرطوم ومدني والمناقل، احتجاجاً على توقف مراكز الغسيل عن القيام بمهمة تنقية دمائهم من السموم!
السموم التي جاءت إلى أكثرهم من الأسمدة التي تَسرّبت إلى مأكولاتهم بشهوة الربح السريع، لتجار لا يردعهم رقيب ولا يؤنبهم ضمير في مراعاة خلق الله!.
صحف الخرطوم تنقل بالصورة والقلم مُعاناة مرضى الفشل الكلوي، وهم ينتظرون الماكينات لتعمل على إراحتهم من مُعاناة ارتفاع البولينا والكرياتنين..!
إفادة صافعة سجّلتها زميلة صحفية لمريضة تنظر إلى قارورة مياه، في يد أحد الأصحاء في نهار الخرطوم القائظ، وتقول لها بأن كل أمنيتها في الدنيا أن تأخذ جرعات من الماء، دون أن تحمِّل جسدها العليل مهمة التخلص من الفائض!
اللحظة التي يضطر فيها المرضى للخروج إلى الشوارع، للمطالبة بحقهم في العلاج، تمثل نقطة الانهيار لكثيرٍ من القيم والمؤسسات.
يحدث ذلك والمؤسّسات المعنية بالأمر، لا تكلف نفسها واجب التعليق على الصور التي تنطق بعجزهم في تحمُّل أمانة التكليف..!
ومستشفيات الولايات تقتحم الأغنام بعض عنابرها، دون أن تجد من يهم «بتكّها».. فالمرضى في «همِّهِم»، والأطباء في «غمِّهِم»، والحكومة مشغولة برفع الدعم وخفضه، ووزير المالية يمنُّ على المواطنين بأكل البيتزا ونقش الجير على حوائط الخراب!
مستشفى القضارف لا فرق بينه ومزابل الأوساخ، والفئران في المناقل تتجرأ على أقدام المرضى وتتحرش بالزوار، ومستشفى إبراهيم مالك تتجمل حوائطه لتخفي أكذوبة (كل شيء تمام)!
ومدير مستشفى كبير بالعاصمة حينما تعتدي عليه أنثى الأنوفلس، يستجير بمستشفى خاص، وهو في ذلك مثل صاحب المطعم الذي يتناول وجباته (دليفري) من مطاعم أخرى أكثر نظافة!
في زيارة لي قبل عامين للدكتور الكبير علي عربي، استشاري الأطفال بمستشفى جعفر بن عوف، تفاجأت بوزيرة الصحة بولاية الخرطوم إقبال البشير، وهي ترافق طفلها الصغير طريح الفراش بالمستشفى العام.
كادت دمعة حرى تسقط على خدي، وأنا أشاهد ذلك المشهد الاستثنائي النادر، وزيرة ترضى لطفلها أن يتعالج مع عوام الأطفال في مستشفيات الحكومة!
تحقيق مميز أعدّه المحرر الطيب محمد خير بالزميلة (الأهرام اليوم)، عن أعطال ماكينات غسيل الكلى، وعدم وجود الإسبيرات، وعن تعسر الدعم، وعن شركة الكهرباء التي تعامل مراكز الغسيل بالسعر التجاري، مثل الفنادق والمولات!
ترى هل تصل مُعاناة مرضى الفشل الكلوي بكل ما فيها من آلامٍ وأوجاعٍ إلى مسامع وبصر القيادة العليا بالدولة؟!
يا ليت الديوانيِّين ومهرة التقارير يُلخِّصون للقيادات واقع الحال في مُقتضبات مركزة، لا تصل حد إبانة ذلك الضابط في إحدى روايات نجيب محفوظ: (يا سعادتك الأمن مستتب لكن القيم مُهدرة)!
[/JUSTIFY][/SIZE]

العين الثالثة – ضياء الدين بلال
صحيفة السوداني

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.