أول الغيث دمٌ ثم الربيع (2)

ظهر عندنا في السودان شوية بترول لا يكفي حتى الاستهلاك المحلي، ولكن في ظروف اخترقت فيها أسعار النفط كل السقوف القديمة، فكان التصدير مجزيا، وإلزاميا لأن الشركات التي صرفت الشيء الفلاني لاستخراج النفط، ما كان لها من سبيل لاسترداد ما أنفقته وجني الأرباح إلا بالتصدير، ومنح السودان نصيبه من العائدات، فتدفقت على الخزينة العامة البلايين من الدولارات، وصدق جماعتنا أننا دولة نفطية ونسوا تماما أن السودانيين رعاة ومزارعون، فأهملوا الزراعة والثروة الحيوانية، حتى الصمغ العربي الذي كان السودان لأكثر من 70 سنة ينتج 75% من احتياجات الصناعات العالمية منه، تعرض للإهمال واضطر من كانوا يزرعونه إلى قطع الأشجار التي كانت تنتجه لأن بيع الحطب والفحم يأتي بعائد مالي سريع (ولكن ضئيل).
أين ذهبت عائدات النفط؟ مش شغلك!! ولكن أليس عدم انعكاس عائدات تقدر بأكثر من 50 مليار دولار على حياة المواطن دليلا على أنها تعرضت للشفط؟ هات الدليل!! أوكي إليك الدليل: فلان وعلان وفلتكان وسجمان ورمدان، ما كان لأحد منهم قرش وصار لكل واحد منهم كرش محشوة بالدلالير (قلنا إن هذه الكلمة جمع تكسير لـ«دولار» عندما يكون الحصول على الدولار بتكسير القوانين).. اسكت يا خائن يا عميل.. ثم فرغت حكومتنا من حربها المقدسة في جنوب البلاد بأن قالت لأهل الجنوب حلوا عن سمانا، وأقيموا دولتكم الخاصة، وانهمكت في حروب أخرى على ثلاث جبهات، والحرب عايزة فلوس وعائدات البترول طارت مع انفصال الجنوب، ومن هنا قررت الحكومة غزو الجيوب، ففرضت ضرائب على كل شيء ما عدا ثاني أوكسيد الكربون.. ومن أفانين دولة الجبايات أنها جعلت من الغرامات مصدرا مهمّا من مصادر الدخل القومي، فعندنا قد تقود سيارة لا تصلح حتى كـ«كارو»، بدون ترخيص، فيوقفك شرطي المرور فتدفع الغرامة وفي اليوم التالي يصطادك شرطي آخر فتدفع الغرامة وقد تدفع تلك الغرامة خمسين مرة من دون أن تكون مطالبا بالمثول أمام محكمة ومن دون أن تتعرض لمصادرة سيارتك.. خالف قوانين المرور كما تشاء بس ادفع وبارك الله فيمن نفع واستنفع.
سبق قرار رفع الحكومة السودانية بمضاعفة أسعار السلع الاستهلاكية (وهذا هو بيت القصيد وليس ما تردده أجهزة الإعلام في ببغاوية سمجة «رفع الدعم عن المحروقات»، فالمحروقات أهم سلعة استراتيجية، وإذا ضاعفت سعر بيعها للمستهلك فإنك ترفع سعر ربطة الجرجير والكرافتة الحرير ورسوم الكوافير، لأن كل سلعة وخدمة تحتاج الى محروقات).. المهم سبق صدور ذلك القرار تضرر مئات الآلاف من البيوت والمدارس والمستشفيات من السيول والأمطار، ومازال مئات الآلاف من سكان ولاية الخرطوم يعيشون في العراء او بيوت من الصفيح والكرتون، ووعدت الحكومة بمساعدة المتضررين، ولأن المؤمن صدِّيق فقد انتظر المتضررون الدعم والتعويضات، فإذا بالحكومة ترفع عدد «المتضررين» إلى الملايين برفع أسعار القمح والملح والبترول والديتول، ولو كان المواطن مدركا أن هناك ضرورات وطنية أملت تلك الزيادات في الأسعار لصبر عليها ولو على مضض، ولكن أن تعطيه الحكومة ملاليم شهريا باليمين، ثم تداهمه بالجباة العتاة لتأخذ منه فوق ما أعطته نظير عمله بالشمال، فذلك ما فجّر ينابيع الغضب، فاعتبرت الحكومة المظاهرات «قلة أدب»، والمتظاهرين عملاء لإسرائيل، وسلمتهم إلى عزرائيل. خلال خضوع السودان للحكم البريطاني مر مسؤول رفيع بشيخ قبيلة معروف ومحبوب اسمه أبو سن، وسأله عن المفتش الإداري في منطقته فقال أبوسن: كويس بس طَوَّل… وكان يقصد ان طول بقائه في منصبه لم يعد ذا فائدة للمنطقة، وأقول لحكومتنا ما قاله أبو سن للمسؤول البريطاني.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

[COLOR=#0A00FF][SIZE=4][FONT=Tahoma]يا أبو الجعافر خليك واضح وقول “ما كويس وكمان طول” يعني بالعربي ميته وخراب ديار ،،،،[/FONT][/SIZE][/COLOR]