محاولة إغتيال النصر ..!

تلقيت بالأمس عدّة محادثات هاتفية من الأهل والاصدقاء بمناسبة إستقبال أسرتي الصغيرة، لأول حفيدة لي من أبيها «مؤمن» وأمها «فاطمة صديق أحمد» ومن بين تلك التهاني الهاتفية كانت هناك تهنئة رقيقة من الاخوين والصديقين العزيزين، السيد معتز مصطفى كامل، القنصل العام المصري في السودان، والسيد عبد الرحمن ناصف المستشار الإعلامي في السفارة المصرية بالخرطوم، وقد عهدت الرجلين ومن معهما دوماً أصحاب واجب في كل الأوقات.
نبّهني السيد الأستاذ عبد الرحمن ناصف إلى أنه بعث إليّ في بريدي الإلكتروني، بمادة كتبها سعادة السيد السفير عبد الغفار الديب، سفير الشقيقة مصر في السودان، للإطلاع والنشر إن أمكن لأنها ترتبط بذكرى انتصار السادس من أكتوبر عام 1973م، وقد أوضحت للسيد الأستاذ عبد الرحمن ناصف أنني لم أطّلع على بريدي الإلكتروني، بسبب الظروف الخاصة، وليس هناك بأس من النشر غداً (اليوم) لأنه يصادف السادس من أكتوبر والذكرى الأربعين لنصر أكتوبر المجيد.
وجدتُ ما كتبه السيد السفير منشوراً على الصفحة الخامسة في صحيفة «الخرطوم» الغراء، تحت عنوان: (إنها لحظات النصر.. لحظات تتجلى فيها إرادة الله) وقد بدأ مقالته بلحظة سماعه لخبر النصر، وهو داخل مبنى محافظة «الإسكندرية» أقصى شمال مصر، والمناسبة كانت حصوله على المركز الأول بين طلاب المحافظة في امتحانات الثانوية العامة، وهذه تعادل الشهادة السودانية عندنا.
لا أريد أن أستطرد في ثنايا وتفاصيل مقال السيّد السفير عبد الغفار الديب، فقد رأينا أن ننشره كاملاً في «آخر لحظة» بعد إجتماع تحرير قصير لأهمية الحدث والمناسبة، بل ذهبنا إلى أبعد من ذلك بأن يكتب ر ئيس التحرير كلمة في ذات الموضوع، وأن يجتهد قدر الإمكان في أن يأتي بجديد من خلالها، لا من حيث اللغة أو المفردة، بل من حيث التحليل.
سألتُ نفسي بصوت عالٍ: «من حيث التحليل؟» كيف لي ذلك وقد طرح أمر اكتوبر 1973م، إستعداداً وتجهيزاً وخطة وتنفيذاً وترتيبات لاحقة للحرب، على كل منصات التحليل في مراكز البحوث داخل الجيوش الكبرى، وفي مراكز البحث الاستراتيجي، وفي المعاهد والاكاديميات العسكرية والسياسية، ولا أحسب أنني أو غيري سيأتي بجديد، ما لم تظهر معلومات جديدة، تضاف للمعلومات القديمة التي توفرت من القيادتين المصرية والاسرائيلية عن تلك الحرب ونتائجها.
فكّرت في أن أركز على إرادة النصر التي مثلها الرئيس المؤمن، (الشهيد) محمد أنور السادات، والتي إستطاع أن ينقلها إلى كل القيادات العسكرية المصرية، بحيث لعب كل قائد دوره في التعبئة والتنفيذ بكل دقة حتى تحقق النصر الكبير في السادس من اكتوبر من العام 1973م.
لم أكن وقتها حاصلاً على المركز الأول بين ابناء دفعتي في امتحانات الشهادة الثانوية، مثل سعادة السيّد السفير، لكنني كنت أستعد لامتحانات الشهادة ا لسودانية في أبريل من العام 1974م، ولم أبلغ آنذاك السابعة عشر من عمري، لكن نوافذ الوعي السياسي كانت قد بدأت تتفتح في عقول أبناء جيلنا ودفعتنا، في مدرسة أم درمان الأهلية الثانوية العليا- هكذا كان أسمها- وكنا قد خرجنا بجراحات النصر لتّونا من ثورة شعبان 1973م التي إنطلقت في نهايات أغسطس من ذلك العام، وكان جيلنا يعاني من آثار هزيمة يونيو 1967م التي أثرت على كل مناحي الفكر والسياسة والثقافة والمجتمع، ليس في مصر وحدها، بل في كل العالم العربي، لذلك أخذت التحولات السياسة تتم بأيدي الانقلابيين من العسكر في السودان وليبيا وسوريا وغيرها.
إلتقطتت الخبر، فخرجت مهرولاً من بين الأسرة في الثورة الحارة الأولى، تسابق يسراي يمناي أقصد منزل المغفور له بإذن الله السيد عباس أحمد صلاح سعدابي، خال أخي وصديقي الراحل محمد عبد المطلب خالد منصور، في الحارة ا لرابعة.. كنت أريد الوصول إلى هناك حيث يقيم أخي محمد عبد المطلب، لأنقل له الخبر وأعبر عن فرحتي بالنصر.. وهذه لحظات ما زلت أتذكر تفاصيلها.
كانت أمامنا عدة خيارات بعد أن جلسنا لامتحانات الشهادة السودانية لزيارة «كينيا» أو «أثيوبيا» أو «مصر» أو «السعودية» وهي رحلات مدرسية تشرف عليها الدولة، ونسهم فيها برسم إشتراك ضئيل.. وقد إختار أربعون طالباً أن يزوروا مصر في يونيو عام 1974م لنرى آثار النصر بأعيننا على أشقائنا هناك.
مّرت السنوات، وحاور الرئيس السادات وناور وداور، ووقع على إتفاقية «كامب ديفيد» مع رئيس وزراء إسرائيل الراحل «مناحيم بيغن» بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» بولاية ميريلاند في السابع عشر من سبتمبر 1978م، والتي حققت لمصر الكثير مما كانت تنشد تحقيقه بالحرب، وفتحت الباب أمام سلام شامل من خلال التفاوض المباشر، ما بين الفلسطينيين وما بين حكومة إسرائيل.
تباينت وجهات النظر، وواجهت مصر مقاطعة عربية، ونشأ في مقابل معسكر السلام، معسكر آخر حمل اسم «جبهة الصمود والتّحدي» نشأ قبل التوقيع النهائي على «كامب ديفيد» بعد إجتماعي في طرابلس الليبية إستمر من الثاني وحتى الخامس من ديسمبر 1977م.
إنتبهت إسرائيل لدور مصر وخطورتها، خاصة بعد أن قاد الرئيس الراحل محمد أنور السادات – رحمه الله- مبادرات علنية وسرية من أجل المصالحة العربية، معترفاً بأدوار القادة العرب في حرب اكتوبر 1973م، خاصة دور العاهل السعودي الشهيد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود.
إنتبهت إسرائيل لدور مصر وحنكة قيادتها، فغذّت الفتن ومثيراتها حتى لقى الرئيس السادات ربه شهيداً على أيدي رصاصات أطلقها خالد الاسلامبولي في السادس من اكتوبر عام 1981م.. في ذكرى الانتصار.
كثير من الساسة العرب لا يقرأون التاريخ، وإن قرأه بعضهم فإنه لا يستوعب أو يستلهم الدروس والعبر من الماضي، وإن استوعب ذلك، لم يتحوط له.
أقول قولي هذا وأربط بين حدثين مهمين سجلهما التاريخ بمداد من دم، هما أغتيال إثنين من القيادات العربية البارزة كان لهما مواقف واضحة في قضية التعامل مع إسرائيل، الأول هو المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي أغتيل في الخامس والعشرين من مارس 1975م، والثاني هو الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، الذي أراد خصومة إبعاده فبقى على واجهة الأحداث والتاريخ.. رغم الموت.
[/SIZE][/JUSTIFY]
بعد ومسافة – آخر لحظة
[EMAIL]annashir@akhirlahza.sd[/EMAIL]



