جعفر عباس

الغش بالبنج والطلاء

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] الغش بالبنج والطلاء [/B][/CENTER]

التقيت قبل أيام صديقا شكا لي فصل ابنه من جامعة أمريكية لعام دراسي كامل بعد ضبطه وهو يغش في الامتحانات بطريقة «بلدية»، وتذكرت حكاية كتبت عنها هنا من قبل وتدور وقائعها في بلدة العند في اليمن وبالتحديد في مدرسة اسمها دار السلام.. فخلال أحد مواسم الامتحانات، جلس رئيس مركز الامتحانات ومساعدوه من المراقبين يشربون الشاي قبل ان يقرع الجرس إيذانا ببدء الامتحانات.. ثم توزعوا على قاعات الامتحانات، ليراقبوا الطلاب وهم يجيبون عن الاسئلة في ضوء الضوابط المتعارف عليها، ولكنهم بدأوا يشعرون بالنعاس والاسترخاء، بل منهم من أعطاها نومة مصحوبة بزفير وشخير. وانتبه رئيس المركز إلى ان طالبين شربا الشاي مع المراقبين من نفس الإناء (الدلة) أصيبا أيضا بالنعاس، فجرجر أقدامه وأبلغ مدير مكتب التربية بالمحافظة بحالة النوم والنعاس الوبائي الذي اجتاحت المدرسة فتحركت الشرطة، وصادرت إبريق الشاي المشتبه فيه، وتم فحص محتوياته في مختبر طبي، واتضح أنها تحوي حبوبا مأخوذة من شجرة تسمى محليا «البنج»، لكونها ذات خواص تخديرية تماثل البنج المستخدم في العمليات الجراحية.. وتولت الشرطة القضية بعد ان اتضح ان مجموعة ما عمدت إلى تخدير مراقبي الامتحانات حتى يكونوا في «وادٍ» والطلاب في وادٍ آخر.
وخلال سنوات عملي بالتدريس في المرحلة الثانوية في السودان، لم يكن الغش ظاهرة مقلقة، بل كان في معظمه يقتصر على مد العنق لرؤية ما يكتبه المتفوقون. وفي ذات عام أبلغنا حارس المدرسة بان طالبين يأتيان بانتظام إلى المدرسة في الأمسيات ثم يتسللان إلى دورة مياه معينة بالتناوب.. توجهنا إلى دورة المياه تلك أنا وزملاء لي من هيئة التدريس ووجدنا عليها قفلا (طبلة) رخيصا من النوع الذي يمكن فتحه بعطسة قوية.. وأدركنا ان المسألة فيها «إنَّ».. نجحنا في فتح القفل بسهولة، وفوجئنا بدورة مياه تشرح الصدر.. جدرانها مطلية بكفاءة واحتراف ومغطاة بالخرائط والقصائد ومعادلات الكيمياء والرياضيات.. يعني تحول الحمام إلى برشام أثري تتوارثه الأجيال كما النقوش التي في المباني التاريخية.. واستنتجنا ما كان يرمي إليه الطالبان (يفوت على الطلاب الذين يمارسون الغش أن المدرسين الذين يراقبونهم كانوا طلابا يوما ما وحتى لو لم يمارسوا الغش وهم على مقاعد الدراسة، فإنهم يعرفون أساليب الغش التي كان يمارسها زملاؤهم في المدرسة) المهم، بدأت الامتحانات وعيوننا على الطالبين اللذين حولا دورة المياه إلى موسوعة أكاديمية.. وبعد نحو نصف ساعة من بداية الامتحان الأول طلب أحدهما الإذن للذهاب إلى الحمام، وبكل براءة قلنا له: تفضل، وكما جرت العادة أمرنا أحد الفراشين بمتابعته حتى باب الحمام.. كنت انظر إليه من بعيد.. أخرجَ المفتاح وفتح القفل ثم خرج مسرعا، ثم دخل وخرج من كل الحمامات وهو يتصبب عرقا.. وعاد إلى قاعة الامتحانات، ووجهه يلعن قفاه، وبعدها بدقائق طلب زميله الإذن بالذهاب إلى الحمام فكان له ما أراد، فدخل وخرج من عدة حمامات وهو مصاب بالذهول.. وما حدث هو أننا وقبل بدء الامتحانات بساعات قليلة قمنا بإعادة طلاء الحمام «المثقف» حتى ارتدّت جدرانه إلى الأمية، أي أننا مسحنا كل ما عليها من معلومات ورسومات بطلاء جديد.. وبعد الامتحان حدثناهما بـ«الحكاية».. فشعرا بالخجل.. والغريب في الأمر ان كليهما نجح في الامتحان لأن الجهد الذي بذلاه في تسجيل المعلومات في المرحاض أسفر عن ترسب بعض المعلومات في رأسيهما.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]