لماذا أتفادى السياسة؟

أكتب هذا العمود هربا من الأحداث.. هربا من الهم والغم، ولأنني بدون فخر وكما اعترفت مرارا، جبان.. ولو كنت بريطانياً لنلت لقب فارس في الجبن، وصار اسمي «سير جافر ذا كوارد».. وبما ان الشيء بالشيء يذكر، فإنني ما زلت أتساءل علام أثار المسلمون ضجة لمنح الروائي سلمان رشدي مؤلف رواية «آيات شيطانية» لقب سير/فارس؟ ما قيمة هذا اللقب؟ هناك في بريطانيا عشرات التنابلة يحملون هذا اللقب.. بعضهم خدم الإمبراطورية العجوز ونكل بأهل المستعمرات البريطانية في إفريقيا وآسيا وأشبعهم قتلا وتعذيبا، وبعضهم لأنهم قدموا أغنيات طرب لها البعض ولم يسمع بها ثلاثة أرباع بني البشر.. هناك بريطانيون محترمون في مجالات السياسة والفنون والآداب رفضوا ذلك اللقب وسائر الألقاب عديمة المعنى التي يتم توزيعها سنويا في بريطانيا، أو تنتقل إلى الرجل أو المرأة بالوراثة.. أشهر من رفض تلك الألقاب هو أنتوني ويدجوود بن الشهير بتوني بن، الذي كان والده من النبلاء «فيسكونت»، ورفض حمل اللقب، وشغل مناصب وزارية عديدة في حكومات عمالية، وكان ولا يزال ضد النظام في بريطانيا ويؤمن بأن العالم لن ينعم بالأمن والاستقرار والسلام ما لم يتم تقليم أظافر الولايات المتحدة والأنظمة الرأسمالية بصفة عامة.. ثم لماذا حصل الهجوم على ملكة بريطانيا لأن رشدي سينال ذلك اللقب الأجوف؟ الملكة لا دخل لها بالترشيحات للألقاب، بل لا أستبعد أنها تحسب أن سلمان رشدي هذا صاحب أول مطعم كاري في بريطانيا.
تريدون مني أن أكتب عن دارفور وغزة وبغداد وحماة والأنبار وقندهار وغوانتنامو؟ حرام عليكم، ده أنا غلبان، ومسموح لي يوميا بمقال يتألف من نحو 450 كلمة فلماذا أمارس فيه تعذيب الذات والآخرين؟ يشاطرني الرأي عدد لا بأس به من القراء ولكن أعلاهم صوتا كان قارئا مصريا يقيم في البحرين، بعث إلي بعدة رسائل تحنن قلب الكافر، يناشدني فيها ألا «أجيب سيرة» المناطق آنفة الذكر.. يعني هو لا يريد مني أن «أُهوِّب ناحية» مناطق «القضايا المصيرية» ولو مرة واحدة في الشهر! سأحاول يا صديقي، وخاصة أنني كما أسلفت جبان.. ولا أجد في نفسي الشجاعة لأقول رأيي الصريح حول تلك القضايا، لأنه رأي راديكالي، وبكل صدق أقول للمرة التريليون إنه لم يحدث قط أن كتبت في مطبوعة عربية مقالا بـ«مزاجي»، أقول فيه رأيي الصريح في أي قضية أتناولها، ويعتقد البعض أنني خارج نطاق تغطية «الشبكة» في الشؤون السياسية، بينما حقيقة الأمر هي أنني أتنفس السياسة ليس بدواعي أكل العيش أو التبن لأنني أعمل في الصحافة بل لأنني أهتم شخصيا بمجريات الأمور في كل البلدان لإدراكي أن الكون مترابط، ولو حلف أحدكم بالطلاق أن أقول رأيي الصريح في أمور ما يسمى العالم العربي، يمكنني ان ألخصه بكل حذر وجبن في ما يلي: لا بد من لخبطة وخربطة الخريطة العربية لإلغاء بعض الدول منها نهائيا (ولا أقصد إسرائيل وحدها) وترك خمس أو ست دول فقط.. بالكثير.. رغم أن هذا العدد سيشكل أيضا عبئا على كوكب الأرض.. بس معليش.. من باب مجاراة أنصار البيئة من حيث اعتراضهم لتعريض كائنات معينة للانقراض النهائي التام.. ولا تزعلوا فحقيقة الأمر هي أننا وفي الخريطة السياسية المعاصرة مجرد سامبل (عينة) ولهذا تحولنا إلى فئران تجارب!
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
