تفانين التفانيش

أسخف كلمة تم توليدها في منطقة الخليج هي التفنيش المشتقة من الكلمة الانجليزية «فِنِش»، والغريب في الأمر هو أن هذه المفردة الانجليزية لا تستخدم قط من قبل أهلها بمعنى «الطرد من الخدمة»، بل تعني في ما تعني إكمال الشيء أو وضع نهاية له.. وقد تعني «القضاء على» أو حتى القتل إذا جاءت متبوعة بكلمة «أوف».. «فينيش هِم أوف» تعني «خلص عليه.. اقتله» وبما أن الله ابتلى منطقة الخليج بكتائب من «الخبراء» العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فقد كان من الطبيعي ان ينقل أولئك الخبراء الأنظمة الإدارية البائسة في بلدانهم الأصلية الى الخليج، وأوضح تجليات تلك الأنظمة هو الولع بالتوقيع/الإمضاء، فلا تستطيع شراء دبوس ما لم يكن سند الشراء يحمل إمضاءات فرقة كاملة من رؤساء الأقسام والمديرين.. أما أقبح تجليات تلك الأنظمة فهو أن الموظف لا قيمة له ويمكن الاستغناء عنه لأن شكله لا يعجب السيد المدير، أو لأنه فهمان زيادة عن اللزوم، والمدير يشوف العمى ولا يشوف المثقفين «المتفلسفين».. وبعد ان انتهى عصر: يا حاجب اضرب عنقه،.. جاء عصر «فنشوه»،.. في السودان كائن طالح كريه ولكن اسمه «صالح»، وباسمه فقد عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين وظائفهم.. في كل وزارة ومصلحة حكومية يقوم منافقون بإعداد قوائم بـ«أنصار المعارضة»، فيتم طردهم من الخدمة باسم الـ«صالح» العام.. ولا تسلني كيف يكون خراب مئات الآلاف من البيوت فيه مصلحة عامة.. في بلدة هيكسهام في مقاطعة نورثمبرلند في انجلترا محل تجاري ضخم يحمل اسم «ربس».. وقبل بضعة أيام ترددت في جنبات المحل أجراس الحريق فهرع الزبائن الى الخارج طلبا للسلامة، بينما تجمع العاملون في المركز في نقطة متفق عليها.. وبعد قليل طلب المدير من الموظفين العودة الى المتجر لأنه يريد أن يخبرهم بأمر مهم.. وانصاع الموظفون للأمر، وتم إغلاق الأبواب منعا لدخول الزبائن، ووقف المدير مبتسما وقال: عندي لكم خبر مفرح، وخبر سيئ.. المفرح هو أنه لم يكن هناك حريق ولا بطيخ.. أما الخبر السيئ فهو أننا قمنا بتشغيل أجراس الحريق لتطفيش الزبائن ليتسنى لنا إبلاغكم بأنه سيتم تطفيشكم وتفنيشكم بالجملة بعد أسبوع واحد.. المحل محلنا ونحن أحرار.. نفتحه.. نقفله.. نحوله الى كنيسة او ديسكو.. خلاص بعد 7 أيام كل حي يروح لحاله، وهذه الممارسة التفنيشية بنظام «الجملة» لم تصل بعد الى العواصم العربية، ولكنني لا استبعد أنه وفور قراءة هذا المقال سيصيح كذا مدير: والله خوش فكرة.. نجيب خبير بريطاني يريحينا من ها البلاوي اللي عندنا ونفضل بس أنا والسكرتيرة.
أعد المخرج المسرحي والتلفزيوني السوداني الراحل احمد عاطف نصا دراميا، وفرضت عليه إدارة التلفزيون السوداني إسناد دور البطولة الرئيسي في المسرحية إلى ممثل اسمه إسماعيل خورشيد، وكان عاطف لا يحب خورشيد هذا، ولكنه قبل أوامر الإدارة.. وكان من المفروض ان يتعرض الشخص الذي يقوم خورشيد بدوره لإصابة برصاصة في المشهد الأول ويتعافى منها ويشارك في بقية أحداث المسرحية.. وما ان بدأ التصوير وانطلقت الرصاصة وسقط خورشيد جريحا (كما في النص الذي بيده) حتى أمر المخرج عاطف بوقف التسجيل، وخاطب خورشيد قائلا: اطلع انت مُت خلاص.. انا كاتب النص وقد عدلته بحيث تموت أنت في بداية المشهد الأول.. تفنيش درامي.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
