النيلين
عبد الجليل سليمان

تيروموتر إيلا

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] تيروموتر إيلا[/B][/CENTER]

في خاتمة حوار يومية السوداني مع والي البحر الأحمر محمد طاهر إيلا، ثمة ما يجعل كل بنية الحوار تنهار، وها أنذا الآن أنظر إلى ركامه المتناثر طوبة هنا وحجر هناك ونُثار أسمنت ورمل تذروه الريح، فيصيب الأنوف بشيء مثل (بادرة العطاس).
وحين ينهار البناء بإجابة واحدة (تقرأ ضربة واحدة)، لا يكون الحديث حول جودته ومتانته وجماله المدهش إلاّ ضرباً من الذكريات تقترب من تلك الواردة على متن بكائية سواكن، أغنية إدريس الأمير الشهيرة (الشنّاوي قصرو المتين يبدو عظمة للناظرين يا سواكن)، أو هكذا بدت لي إجابة (إيلا) على السؤال الخاتم، حيث قال: الحلم الذي تحقق هو إحساس المواطن في ولاية البحر الأحمر بأنه شريك أصيل في صناعة حاضر ومستقبل ولايته، وأسعد ساعات عملي هي التي أتجول خلالها في شوارع الولاية وأسواقها وأسمع من الناس مباشرة نواقصهم وطموحاتهم.
هنا وكأني بـ(ايلا) يسوّق ذاته الفانية فيُطلِقها بعبارات من الأثر (عدلت فنمت قرير العين هانئها)، فمواطن البحر الأحمر بهذا الإطلاق- (يحس) بأنه شريك أصيل في صناعة حاضر ومستقبل ولايته، هكذا أطلق الوالي عبارته، وكأنما لديه (تيرومتر) يجوب به والسعادة بادية على محياه أسواق وطرقات بورتسودان وعقيق وقرورة وطوكر وسنكات وأربعات يدخله تحت (أباط) المواطنين فرداً فرداً ذكوراً وإناثاً يقيس به (درجات) إحساسهم بأصالة شراكتهم ورضائهم عن أدائه شخصياً وأداء حكومته، وإلاّ ما هي الآلية التي استفتى خلالها إيلا مواطني البحر الأحمر ليتعرف على إحساسهم الذي أشار إليه في الحوار بكل هذه الدقة والإطلاق.
ربما عجز (تيرومتر) إيلا عن قياس أحاسيس أخرى، لأن المؤكد أن أطيافاً لا يستهان بها من مواطني الولاية غير راضية عن أدائه، وأن كثيرين لا يتمتعون بأدنى أنواع الخدمات التي تحفظ كرامة الانسان، وأن هناك من لا يجدون ما يسدون به الرمق، وأن قافلات إغاثة توجهت إلى جنوب طوكر على سيبل المثال قبل عامين ونيف لنجدة الأهالي الجوعى والغرقى هناك، وأن وأن… إلى أن تسكن (النون وتنكسر أنف الألف).
صحيح أن البنية التحتية هي أساس التنمية، لكنها ليس وحدها، ولن تجدي ما لم تمضي جنباً إلى جنبها تنمية بشرية، وتعايش دون غبن، وفرص متاحة للجميع جوهرها الكفاءة فقط. أما عن السياحة التي يتلو علينا والي البحر الأحمر آياتها ليلاً ونهاراً، ويؤذن فينا بنوافلها ما أن يحل عليه صحفي، فإنها كفكرة ومشروع تنموي رائعة وينبغي دعمها وتعضيدها لا محاربتها والوقوف ضدها كما يفعل بعض (شيعته) من أولي القربى الحزبيين، لكن الرهان عليها كمورد رئيس لميزانية الولاية يبدو عسيراً على الفهم، خاصة وأن للسياحة متطلبات (ملحقات) أخرى، أولها توفر الحريات الخاصة (الشخصية)، وهذا يتنافى مع الفكر السياسي الذي ينتمي إليه (ايلا) نفسه، فلا إجبار السائح الأجنبي على الاستلقاء على شاطئ نظيف بجلابية وطاقية ونضع أمامه (كورة حليب إبل)، لذلك فإن مستقبل السياحة في البحر الأحمر مرهون بما لا طاقة لإيلا وحكومته به، وقيل إن الأجنبي الذي يأتي إلى الولاية سائحاً لا يعود إليها ثانية.

[/SIZE][/JUSTIFY]

الحصة الأولى – صحيفة اليوم التالي

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.