مصطفى أبو العزائم

قراءة غير متأنية لواقع جديد.. سريع التغيّر


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] قراءة غير متأنية لواقع جديد.. سريع التغيّر [/B][/CENTER]

لم يعد الواقع السياسي السوداني هو ذات الواقع السياسي، المتنازع ما بين شد الحكومة وجذب المعارضتين المدنية والمسلحة، منذ أن أذاع العميد عمر حسن أحمد البشير، بيانه الأول في الثلاثين من يونيو عام 1989م، معلناً استيلاء الجيش على السلطة، ومبيناً مساراً جديداً لإنقاذ البلاد مما هي مساقة إليه، بفعل الممارسات السياسة الخاطئة، والفساد الذي ضرب أركان الدولة، والتدهور المريع الذي ضرب الاقتصاد والخدمات وأزكمت رائحته الأنوف.

نعم.. لم يعد ذلك الواقع القديم قائماً، بعد أن (تمكن) نظام الإنقاذ، فتغيّرت صورٌ ووضحت ألوانها وبانت، وانمحت صور وبهتت ألوانها وزالت.. وحدث تقدّم في بعض الجوانب، وتراجع في جوانب أخرى، لكن (التغيير) الحقيقي بدأ يتشكل فعلياً في أذهان قيادات الدولة والحزب، الذين ما زالوا في السلطة، والذين اختاروا الابتعاد الآن، بدأ ذلك التغيير يتشكل منذ الكشف عن أخطر محاولة انقلابية يواجهها النظام، والتي تحدّث عنها الناس سراً، وأعلن عنها الدكتور أحمد بلال عثمان، وزير الإعلام من خلال مؤتمر صحفي، عقده يوم الخميس الثاني والعشرين من نوفمبر في العام 2012م.

لقد أحدث ذلك الإعلان عن المحاولة الانقلابية، هزّة في أوساط المواطنين الذين لا يلقون بالاً إلى السياسة، ولا يتعاملون معها إلا من خلال ما توفره السياسات لمتطلباتهم الحياتية الأساسية، ويمارسون بعد ذلك سياسة النقد غير المنقطع لتلك السياسات.

كما أحدث ذات الإعلان المفاجيء بورود أسماء كبيرة، ذات تأثيرات خطيرة على مجريات الأمور والأحداث، أعلن هزّة وجدانية لدى بعض منسوبي الحزب الحاكم، وبعض منسوبي القوات المسلحة، وكثير من العاملين والمتنفذين في دولاب العمل الحكومي التنفيذي، وأحدث هزّة أكيدة في قناعات بعض الشباب الإسلاميين، والمنتمين إلى منظمات حزب المؤتمر الوطني، وعدد من المتعاطفين مع الحزب من غير المنتمين له فعلياً، وذلك من خلال الإعلان عن أسماء المشتركين فيها، ومن بينهم – كما أشرنا – أسماء كبيرة كان لها أثرها الخطير، في مجريات الأمور بالسودان، من أمثال مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق، الفريق صلاح عبد الله (قوش)، والعميد محمد إبراهيم عبد الجليل «ود ابراهيم»، واللواء «عادل الطيب» وغيرهم.

الهزّة التي أحدثتها تلك المحاولة، رأى البعض أنها (قد) تقود إلى هزّة ـ عامة ـ في القناعات، وما النار إلا من مستصغر الشرر، فانتبه الغافلون، إلى أن بركاناً يتحرك، وكان ذلك هو الدافع الأكبر لإيقاظ مراكز الحماية داخل مؤسسات الدولة، وإطلاق صافرات التنبيه الداخلي، وإشعال الإضاءات الحمراء بأن هناك مخاطر حقيقية باتت تواجه نظام الحكم القائم، بما يستدعي ضرورة فهم دوافعها، ثم التعامل مع تلك المخاطر بأقل أو أكبر من حجمها، حسب مقتضى الحال.

يستطيع المراقب للشأن السياسي السوداني (الداخلي) أن يقول، إن (بذرة التغيير) أو شرارته الأولى، قد ظهرت منذ ذلك التاريخ، أي تاريخ الإعلان عن المحاولة الانقلابية، التي أطلق عليها من كشف عنها اسم (التخريبية) فأصبح ذلك اسمها الذي سارت به الركبان، وأجهزة الإعلام.

حاول البعض أن يربط حدثاً يحدث عن طريق خيوط الخيال، فقيل إن (التخريبية) كانت نتيجة (صراعات) داخلية مكتومة داخل النظام، وقيل إنها (تصفية حسابات) ودفع فواتير خلافية مؤجلة، وقيل فيها ما قيل، إلى أن تدخل الرئيس عمر حسن أحمد البشير، فأصدر عفوه عن العسكريين الذين أدينوا بالتهمة وصدرت في مواجهتهم أحكام متفاوتة بالسجن، وتمت تبرئة بعضهم، فكان ذلك العفو الرئاسي نفسه (أول خطوة تغيير) حقيقي، حمل رسالة لها أكثر من مغزى فهمها المشاركون في المحاولة الانقلابية، وإن لم يقولوا شيئاً عن ذلك، وكنت من أوائل الذين سجلوا زيارة للذين أطلق سراحهم، وشهدت قوة الرباط الاجتماعي، الذي يتجاوز الخلاف السياسي، ولفت نظري ونحن داخل الصيوان المنصوب أمام منزل العميد «ود ابراهيم» وجود الدكتور غازي صلاح الدين، والدكتور أسامة توفيق وآخرين، ورغم عدم وجود صلة مباشرة أو غير مباشرة بين (مجموعة) الدكتور غازي قبل أن تتشكل جسماً سياسياً ناضجاً بالغ الاكتمال، وبين المجموعة المفرج عنها، إلا أن (حقائق غامضة) كانت تشير إلى (رابط ما) بين المجموعتين.

إحدى رسائل العفو الرئاسي كانت رسالة طمأنينة للفريق صلاح قوش، بأنه لن يبقى في السجن طويلاً، بل وفيها أن الرئيس البشير يحفظ الود والجميل، لمن قدّم خدمة – كبرت أم صغرت – للبلاد أو العباد، أو له شخصياً، حتى أنني أذكر في إحدى الرحلات الداخلية التي رافقت فيها السيد الرئيس، كنت في فترة راحة أجلس إلى مجموعة من رجال الحلقة الضيقة القريبة منه، ومن بين مجموعتنا تلك، كان الأخ الفريق طه عثمان، مدير مكتب السيد رئيس الجمهورية، وتحدثنا في أمور شتى، وكعادتي – التي لم أستطع التخلص منها – عرجت إلى موضوع اعتقال ومحاكمة الفريق «قوش»، فقال الأخ الفريق طه، جملة لن أنساها، لأنها أكدت لي أن «قوش» لن يبقى كثيراً في محبسه، إذ قال إن الرئيس البشير يقدر كثيراً كل من عمل إلى جانبه، وقدم خدمة للسودان، وإنه يحمل تقديراً خاصاً لكل ما قدمه الفريق صلاح قوش.

من رسائل العفو الرئاسي التي فهمتها في ذلك الوقت، ولا زلت على موقفي منها في التفسير، أن العفو الرئاسي، كان عفواً حقيقياً عن ضباط شهد لهم عملهم وسجلاتهم وشهدت لهم ميادين القتال، تجرداً ونزاهة وأمانة وإخلاصاً في العمل طوال سنوات عملهم في القوات المسلحة، وأن (نواياهم) كانت إصلاحية، لكن ضبط الجيش وربطه، لا يعرف الخروج عن التعليمات أو التمرد على القيادة، لذلك جاءت الإدانة في المحكمة، ولذلك جاء العفو الرئاسي.

وهناك وجه آخر للعفو الرئاسي، مرتبط بالجيش السوداني نفسه، وهو (تكريم) القوات المسلحة بـ(العفو الرئاسي) الذي شمل ضباطاً، لم تشنهم من قبل شائنة، بل كانت سمعتهم فوق أي مستوى للشبهات، لولا ما أدينوا بسببه – لكن ذلك أيضاً كان صافرة إنذار لما يجب أن ينتبه له نظام الحكم ومؤسساته.

تلك كانت – في تقديري – أولى المنبهات لضرورة إجراء تغيير هيكلي ومؤسسي في أشكال ونظام الحكم، لكن المنبه الأقوى قرع وأطلق أجراسه في سبتمبر من العام الماضي، بعد القرارات الحكومية التي قضت برفع الدعم عن المحروقات، ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته الدولة، تلك القرارات التي جاءت مفاجئة وصادمة، رغم المحاولات الحكومية المستميتة للترويج لها وتسويقها وسط المواطنين، وداخل المؤسسات التشريعية، ومن خلال الصحافة والإعلام، ولم تكترث الحكومة كثيراً لصيحات التحذير التي انطلقت من الصحف، ولا للتذمر الذي أصبح لغة متداولة في الشارع السوداني آنذاك، فكان ما كان، وسقط عشرات الشهداء، وامتدت أيدٍ غريبة تطلق الرصاص على الجميع بلا استثناء، وأيدٍ أخرى تحطم وتحرّق وتدمِّر، وكاد الأمن أن ينفرط عقده، وتعم الفوضى أرجاء «الخرطوم» لتفتح الباب أمام الحركات المسلحة، التي كانت تنتظر شارة الدخول، وأخذت تناوش في بعض المناطق، وتشن الهجمة وراء الهجمة بغرض إضعاف الروح المعنوية للقوات المسلحة، ولقوات الشرطة والأمن، لكن المفاجأة التي كانت تنتظر تلك الحركات المسلحة، تمثلت في قوة الردع والتصدّي الذي ووجهت به في المناطق ومداخل المدن التي استهدفتها، فصرفت النظر عن «الخرطوم» تماماً، إلى حين إشعار آخر.

هبّة سبتمبر الشعبية، (فرزت الكيمان) بالنسبة لنظام الحكم، حتى داخل الحزب أو مؤسسات الدولة، وحدثت انشقاق أو خروج على الحزب من ذات الجماعة التي تبنت دعوة الإصلاح، ممثلة في الدكتور غازي صلاح الدين والدكتور أسامة توفيق، فأخذ الحزب يعيد ترتيب أوراقه، وزادت قناعات رئيس الدولة، ورئيس الحزب بضرورة الإسراع بالتغيير.

سألني الأستاذ الطاهر حسن التوم في برنامجه الأشهر بقناة النيل الأزرق التلفزيوني عن تلك التغييرات، فأجبت بأنها (أربكت) المعارضة، وأربكت الكثيرين داخل الحزب الحاكم نفسه، بل أربكت المشهد السياسي كله، وجاء الأخ الأستاذ مهدي إبراهيم بالأمس ليؤكد ما ذهبنا إليه في تحليلنا ذاك، لكن الأهم من ذلك، ما جاء على لسان رئيس المجلس الوطني السابق، مولانا أحمد إبراهيم الطاهر، رئيس اللجنة العليا للإصلاح الحزبي بالمؤتمر الوطني، عندما قال من داخل البرلمان، إن خطاباً مرتقباً للمشير عمر حسن أحمد البشير، خلال الأيام القليلة القادمة سيكون موجهاً للشعب السوداني، يحمل مفاجأة وصفها بـ(الكبيرة) لها صلة ببرنامج الإصلاح الشامل في الحزب والدولة.. ومع ذلك نستطيع القول إن ما حدث من تغيير لم يكن هو التغيير الكامل.. بل هو مجرد بداية.

حديث مولانا الطاهر، لم يمر – هكذا – دون أن يستوقف المتابعين للشأن العام، والمراقبين للحركة السياسية، أو العاملين بالتحليل السياسي في الصحافة والإعلام، ومراكز ودور البحث الإستراتيجي، ومندوبي مخابرات الدول الأجنبية الذين يحملون صفة (دبلوماسيين) رسميين، أو حتى الذين تخفّوا وراء لافتات منظمات عالمية أو أممية، فالكل يبحث عما وراء كلمات مولانا أحمد إبراهيم الطاهر، الذي كان من أوائل الذين أشاروا للتغيير قبل حدوثه بأشهر عديدة، وقال إنه لن يحتفظ برئاسة المجلس الوطني، بل سيترك مقعده لجيل الشباب!

وظللنا نتلقى أسئلة من كثيرين يعملون في مختلف المجالات، عن الذي يمكن أن يكون في خطاب السيد رئيس الجمهورية، الذي سيلقيه على الشعب السوداني خلال أيام، لكن لم تكن لنا إجابة محددة، بل مجموعة استنتاجات (قد) تصدق، وقد لا تصيب، لكن التوقع الأكثر حظاً هو إعلان السيد رئيس الجمهورية لحزمة من الإصلاحات في الخدمة المدنية والعامة، تبدأ بتغيير يشمل وكلاء عدد من الوزارات، وبعض قادة العمل التنفيذي فيها، وتغيير كل مديري الأجهزة الإعلامية الرسمية، دون (تدوير) وتبديل مواقع – إضافة إلى تكوين مفوضية رسمية لمكافحة الفساد، يكون على رأسها قاضٍ أعلى، بحيث لا تتم تدخلات من وكيل أو وزير أو سياسي للتأثير على قرارات المفوضية.

و(ربما) يتضمن خطاب السيّد رئيس الجمهورية الإعلان عن مصالحات سياسية فعلية، بين المؤتمر الوطني وبعض الأحزاب الأخرى، أو فتح الباب – على الأقل – للحوار المتصل، وصولاً إلى توافق حول قضية الدستور، و(ربما) كانت هناك مفاجأة ينتظرها الجميع حول انخراط عدد أو بعض من قيادات الحركات المسلحة في عملية السلام، و(ربما) أعلن الرئيس عن تكوين لجنة لمراجعة كل القرارات الرئاسية التي صدرت من قبل، ولم يتم تنفيذها، و(ربّما) حملت رياح الإصلاح عدداً من العسكريين إلى مراكز اتخاذ القرار، (تقريباً) للقوات المسلحة لتلك المراكز، حيث إنها باتت الآن لاعباً رئيسياً وأساسياً في عملية التغيير، ليس في جانب إرضاء الجيش فقط، بل من حيث إنها المؤسسة الوطنية القومية التي لا يختلف عليها أحد.

أما ما لن يتضمنه خطاب السيّد رئيس الجمهورية، فهو – بالتأكيد – ما سوف يجري أو يتم تجاه الذين تركوا السلطة طائعين أو مكرهين، لكننا نستطيع القول إن بعضهم ربما تم تعيينهم سفراء بوزارة الخارجية السودانية، تقديراً لأدوارهم وأعمالهم السابقة للبلاد، كنوع من (رد الجميل)، لكن هذا بالقطع لن يرضي الدبلوماسيين المحترفين داخل وزارة الخارجية، لأنه يضيّق فرصهم في التقدم، نحو الصفوف الأولى، و(ربما) قال بعضهم إن الدول الكبرى تمنح رئيس الجمهورية الحق في تعيين عشرة بالمائة فقط من جملة سفراء بلده لأسباب سياسية يقدّرها الرئيس، وليس مكافأة بسبب نهاية الخدمة.
[/SIZE][/JUSTIFY]

بعد ومسافة – آخر لحظة
[EMAIL]annashir@akhirlahza.sd[/EMAIL]



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *