أبو الجعافر فتان وفتاك

كانت والدتي –رحمها الله- تعارض بشدة سفري إلى بريطانيا للعمل في تلفزيون بي بي سي، لا لسبب سوى أنها كانت تخاف عليّ من الفتنة، فهي كغيرها من نساء المشرق تسمع بأن الأوروبيات ذوات عيون «زائغة»، وبما أنها تعلم أن ابنها يتمتع بجاذبية لا تقاوم فقد خشيت عليه من بنات بريطانيا، وليس في ما أقول ما ينبئ عن غرور، ولم تتوصل أمي إلى ذلك الاستنتاج؛ لأنّ «القرد في عين أمه غزال»، بل لأنها تعرف أنني صاحب «سوابق»، فعندما كنت في مقتبل العمر لم يكن سراً أنني ارتبطت بعلاقة عاطفية مع الممثلة ناتالي وود، ولكن أمي ركبت رأسها وحرمتني من النقود التي كانت تساعدني على الالتقاء بها في دور السينما، وبعد أن تزوجت بإحدى بنات بلدي، انتحرت ناتالي.
مشكلة ناتالي أنها لم تكن تفهم أن الزواج قسمة ونصيب، وهي أيضاً لم تكن تفهم أنه ما كان ممكناً لي أن أتزوجها وهي توزع القبلات بسخاء على كل من يظهر معها على الشاشة. وبصراحة فإنني لا أعفي نفسي من اللوم فقد كنت في تلك المرحلة من العمر أتمتع بجاذبية لا تقاوم، ومن ثم فقد كانت حسناوات السينما يتسابقن إلى غزو قلبي، وسر تلك الجاذبية، أنني «دائم» الشباب، مثلا عندما بلغ عمري 29 سنة «ربطت» لبضع سنين، إلى أن بلغت التاسعة والثلاثين، ومنذ يومها لم يزد عمري يوماً واحداً.. عام 89 كان عمري 39 سنة وفي عام 93 كان عمري أيضاً 39 سنة، وقد تقدمت قبل سنوات قليلة بطلب للحصول على وظيفة مجزية وبعد أن اجتزت الامتحان التحريري جاء موعد المعاينة «الإنترفيو» فسألني أحدهم عن عمري فقلت: 39 سنة فاحتج قائلاً: كيف يكون ذلك وأوراقك هنا تدل على أنك أكبر من ذلك فقلت له: تكذبني وتصدق الأوراق الخرساء، ما «دخلك» أنت وعمري، فأنا لم أطلب يد ابنتك بل جئت لأؤدي وظيفة معينة، وبالطبع لم أحصل على الوظيفة.
المهم طمأنت السيدة الوالدة بأن ابنها ذا الشاب الدائم لا خوف عليه من نساء لندن… صحيح أن معظمهن رائعات الجمال والقوام. وصحيح أن معظمهن كاسيات عاريات، ولهن سيقان –يا أمي– شيء بديع، ولكن لا مجال هنا للبصبصة. وكما يقول المصريون «تشوف مين وتخلي مين»، فالبصبصة في لندن تحتاج إلى تفرغ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا جماعتنا الذين يأتون إليها في الصيف للعمرة «بفتح العين».
الناس في لندن يمشون في الطرقات وكأنما لعنة تطاردهم، فمشيهم أقرب إلى الركض، ربما هم يفعلون ذلك هرباً من الضرائب، ربما كانت هناك ضريبة على السير البطيء. باختصار إذا حاول شخص أن يعطي كل حسناء لندنية نصيبها من البحلقة فسيفوته القطار ومواعيد العمل، وفوق هذا فأنه يحتاج إلى لياقة رياضي من الطراز الأولمبي لينجح في «ملء» عينه، وأكثر ما يثير دهشتي هو: من أين لهن هذه الأجسام وهن يأكلن طعام بلادهن الذي لا طعم له ولا رائحة، وقوتهن الرئيسي هو البطاطس، وهو ثمرة يؤدي الإكثار من تناولها إلى الروماتيزم وانسداد قناة فالوب والتهاب اللثة، ولكن ولأمر غريب فإنّ البريطانيين لا يصابون بتلك الأمراض برغم إدمانهم للبطاطس والبقدونس. وهذا الأخير عشب كريه الرائحة سرّبه الاستعمار الفرنسي إلى منطقة الشام فأصبحوا يستخدمونه في الكفتة والكبة والشاي، فقلّدهم بقية العرب في ذلك، والخواجات أيضاً علّمونا أكل الخس الذي يحتوي على القيمة الغذائية نفسها الموجودة في مناديل الورق وبالتالي فهو يسبب الإمساك والتهاب المصران والمثانة.
ما علينا.. فلا خوف علي من الفتنة، فلطول الثبات عند سن التاسعة والثلاثين أصبحت العين كليلة وتقلص مدى الأبصار… والأهم من ذلك أن التفريق بين البنات والشبان في هذا الزمان أصبح صعبا، ولا يجوز لمثلي أن يقع في المحظور!!

jafabbas19@gmail.com

Exit mobile version