مع النائب الأول السابق حول الخاص والعام : غادرت الخرطوم.. يبدو أنك أصبحت زاهداً في مقابلة الناس

كان الشارع المتفرع من شارع الجزار الشهير بحي الرياض بالخرطوم، أكثر صيتاً، يكفي أنه مؤدٍ لمنزل النائب الأول السابق للرئيس علي عثمان محمد طه. مرت بخاطري سريعاً صورة الشارع المسفلت والنظيف وأنا «أفارق» شارع مدني وأتجه شرقاً في طريقي إلى مزرعة شيخ علي بسوبا.. كان الطريق ضيقاً وعامراً بـ «الحفر»، وأتربته تملأ المكان، و سألت نفسي كيف سيصل الشيخ إلى داره في فصل الخريف؟.. وصلت المزرعة كان واقع الحال قريباً من خارجها، المكان غير مرتب بحكم الانتقال حديثاً، لكن ما أدهشني أنني وجدت طه وكأنه وسط أهله بالكرفاب – تلك المنطقة الوادعة بالشمالية زرع وأشجار فواكه وأغنام تمرح – «ربما فرحة باهتمامه بها»، لكن الفرحة الغامرة ستتملك أسرته وخاصة أحفاده بأن تفرغ لهم. وجدت علياً، بذات البساطة التي عرف بها والممزوجة بالأناقة، يلبس جلباباً وحذاءً وطاقية بلون واحد «بما في ذلك الجوارب».. كان في كامل حيويته، منهمكاً مع بعض العمال، صافحته و«تمشينا» مع بعض قليلاً، من بعيد لمحت «عنقريب» تحت شجرة، راقني المكان ووافق علي مقترحي، فجلس بذات التواضع الذي كان به على كرسي السلطة.. نقلت له ملاحظة «جو الكرفاب» اكتفى بنصف ابتسامة، مثلما اكتفى بنصف إجابة وربما «ربع» على كثير من أسئلتي.

أجراه: أسامة عبد الماجد

٭ غادرت الخرطوم.. يبدو أنك أصبحت زاهداً في مقابلة الناس؟
– يستحيل أن يكون الإنسان وحيداً.. انتقلت إلى مكان ليس ببعيد، ربما لأنك أول مرة تزور هذا المكان، شعرت ببعده وترآى لك أن المنطقة نائية، فمن رأس شارع الستين وحتى هنا عشرة كيلو مترات فقط، وهي مسافة ربع ساعة من الزمن.
٭ لكن المكان يبدو موحشاً، على الأقل الطريق المؤدي إلى مزرعتك؟
– ليس لدرجة هذا الوصف، بل بالعكس المنطقة تشهد نمواً عمرانياً وسكناً تجارياً ومخططات سكنية، وبستانية ونحن نريد أن نؤسس للسكن البستاني والمنطقة لا تزال في بداية نموها العمراني ومن ثم فإن الشارع بحاجة إلى تحسين، تعمل الولاية عليه الآن.
٭ دارك فسيحة ربما تغري بالرياضة؟
– نعم شجعني ذلك على التفكير جاداً خاصة رياضة المشي.
٭ ما هي اهتماماتك الأخرى بالمزرعة؟
– أهتم بتحسين وتجويد الزراعة والبستنة ورعاية بعض أشجار الزينة، والمزرعة تذكرني بجذوري في الكرفاب، فأهلي اشتغلوا بالزراعة أصلاً وأجادوها، وأدعو أن يهتم الناس بالزراعة، فبلادنا زراعية.
٭ كيف تمضي يومك؟
– نشاطي اليومي يتضمن ترتيب المسكن الجديد كما ترى، وتصريف أموري بالخرطوم، حيث أجري نشاطاتي العامة وبعض الأنشطة الاجتماعية.
٭ هل ستكون الدار الجديدة لاستقبال برامجك؟
– قصدنا أن يكون الانتقال من عام إلى خاص، ولذلك أريد أن تكون المزرعة خاصة بالسكن والزيارات الاجتماعية والأنشطة الخاصة.
٭ واضح أنك أردت من هذا الانتقال أن ترسل رسالة ما؟
– ليس بهذه الصورة، ولكنها دلالة التزام الموقع الرسمي، لأن الشخص ينبغي أن يلتزم بالقانون، وفعلت ذلك احتراماً للدولة ولوائحها، وبعد انقضاء المدة المحددة كان واجباً أن أخلي طرفي من أي التزامات حكومية، وأنت تعلم أن ليس هناك أحداً طلب مني المغادرة أو إخلاء المنزل، لكن التشبث بالمرافق والمواقع أمر غير حميد خاصة إذا كان المرء يستطيع ترتيب أوضاعه، وذلك ما ينطبق عليّ والحمد لله.
٭ لكن أليس غريباً أن يكون شيخ علي، بهذا التاريخ والعمل الطويل في العمل العام، لم يرتب أوضاعه؟
– تبسم .. وسكت.
٭ الأمر يبدو عصي الاستيعاب؟
– بالإمكان أن تقول عدم اهتمام مني، فضلاً عن الانشغال وعدم حسن ترتيب الأمور وكان من الممكن أن يكون وضعي أفضل.
٭ هل نستطيع أن نقول (ما ضربت معاك)؟
– التعبير الدارجي لائق، بالإمكان أن تقول ذلك، لكن مع ذلك تفاديت أن أسكن بالإيجار.
٭ لكن بعض رجال الأعمال الإسلاميين يرتبون لشراء منزل لك؟
– رفضت عروضاً كثيرة في هذا الصدد.
٭ من الذي قدم لك عرضاً كهذا من إخوانك في الحركة الإسلامية؟
– إنهم إخوة أفاضل ورفضت عروضهم للسكن لفترة من الزمن دون مقابل وقدرت فيهم شعورهم النبيل وشكرتهم على عرضهم، وعبركم أجدد لهم شكري وتقديري، ولكن المهم في الأمر أنني لا أريد أن أسكن بلا مقابل، وأحببت أن أرتب أموري لوحدي والمسألة ليست بحاجة لأن تستدر عطف أحد ليمنحك، ولديّ من الموارد التي تمكنني من ترتيب أموري بالشكل الذي أرغبه.
٭ هل يمكن أن نفسر إقامتك في هذا المكان بأنها فرصة للمراجعات؟
– بالفعل هناك مجال للمراجعات والتأمل، فالإنسان يحس لأول مرة أنه أصبح لنفسه تماماً من حيث وقته، من حيث الأسرة بشكل كلي والوجود معهم ومع الأولاد، وبالتالي يستطيع أن يعطيه قراءاته وهواياته واهتماماته الإنسانية وعلاقاته بأهله والمجتمع، إلى جانب الانطلاقة للعمل الإنساني والاجتماعي الذي أخترت أن أركز عليه في المرحلة القادمة.
٭ فيما تتأمل؟
– علاقاتي الإنسانية والمجتمع، العمل الإنساني المجتمعي.
٭ وكأنها محاولة للخروج بهدوء من الملعب السياسي؟
– لا يزال ارتباطي بالمؤسسات السياسية التي أنا عضو فيها، قائماً وأشارك فيها سواء كان في البرلمان أو المكتب القيادي للمؤتمر الوطني أو المناشط الأخرى في الحركة الإسلامية.
٭ هل أردت أن تدشن العام الجديد بوضع جديد؟
– نعم أردت إطلالة جديدة على العمل العام من خلال إعادة ترتيب أولويات مع العام جديد، في مجالات العطاء، وهذا الذي أنا قصدته عندما قلت إننا نريد أن نعطي السياسة بعداً جديداً أو معنى جديداً بأنها ليست العمل التنفيذي أو السياسي المرتبط بالصراع السياسي أو الوظائف التنفيذية، فكل عمل فيه نفع عام للناس واهتمام بأمرهم، هو ضرب من ضروب السياسة، وهذا ليس تقليلاً من العمل السياسي التنفيذي المباشر.
٭ قد يفسر البعض خطوتك بأنها اعتزال ناعم للسياسة – إذا جاز التعبير-؟
– قلت من قبل إنني لم أعتزل السياسة، بل هو توسيع لدائرة المناشط والمشاركة في العمل العام ليرى الناس فيك إلى جانب ما عهدوه من مجالات أصلاً مشارك فيها في العمل العام بمجالاته المختلفة، ليروا أبعاداً أخرى يمكن أن تضيف فيها، خاصة وأن لديّ خيارات، فمؤكد بعد ترك الموقع العام لديّ فائض وقت، الإنسان ينشط في شأنه الخاص، والبعض ينشط لينمي أموالاً وآخر ينمي تجارة أو غيرها، ويقولون لك الواحد دقش السوق عندما يترك الوظيفة، سواء سوق تجارة أو زراعة.
٭ هل (دقشت) السوق؟
– (لم يحدث أن تاجرت في حياتي أبداً).
٭ ألم تفكر في أن تدقش السوق الآن؟
– ما حرصت أن أسلك ذلك الطريق رغم أن لديّ هوايات تربطني بالسوق، حيث لديّ اهتمام بالزراعة والبستنة ولديّ فيها مجالات أنشط فيها، ولكن لا أريد أن تكون الهم الأكبر، ولذلك أردت أن أضيف الخيار الثاني بالتركيز على مناشط غير ربحية وغير ذات عائد مالي يشمل المجال الاجتماعي والثقافي والفكري.
٭ أشرت لمراجعات ستقوم بها، من أين يمكن أن تبدأ؟.. لكن دعنا نطرح السؤال بشكل آخر، هل آن الأوان أن يكتب شيخ علي مذكراته؟
– هذه مرحلة تأتي (قدام) إن شاء الله، لكن أقول لك إنني بدأت أدون بعض الإشارات عن بعض فصول التاريخ السياسي لكنني لست متفرغاً للأمر.
لكن المراجعة بمعنى أن الإنسان يتأمل كل المسيرة، السياسية والثقافية والفكرية للمرحلة التي عاشها، قد يجد فرصة لقراءة أفضل لمناقشات هادئة مع مجموعات من الناس، لأن هناك أسئلة كثيرة ملحة على الصعيد الوطني والمحلي وحتى على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتحديات الموجودة، والحرب والسلام، الأمن، الإرهاب، ومحاولة ربطه بالإسلام والعلاقات الإقليمية والدولية ومعاش الناس والعدل الاجتماعي وتطور المجتمع المتسارع في ظل مؤثرات العولمة، هذه كلها قضايا تفرض نفسها على الإنسان أن يكون له فيها نظرات وقراءة متجددة بعيداً عن الموقع التنفيذي قد تعين في رسم سياسات بعض أجهزة الدولة والمجتمع والصعيد العام.. إنني على قناعة أن العالم في مرحلة تشكُل وميزان القوى العالمية متغير في ظل وجود الصراعات، وكل ذلك مسرحه الشرق الأوسط ومنطقة العالم العربي والإسلامي وأفريقيا، وهي المنطقة التي نعيش فيها.
وهذه مجتمعة هي دائرة المراجعات من خلال متابعة الأحداث باستصحاب التجربة في العمل السياسي والدعوي لكن كيف يخرج منها ما يفيد الناس، هذا يتبلور لاحقاً.

صحيفة اخر لحظة

Exit mobile version