ما بين صحافة مايو والإنقاذ (10)

نواصل الحديث المقارن ما بين صحافة مايو والإنقاذ.. (فتّحنا) ونحن في صحافة مايو العام 1984 ووجدنا الأستاذ الراحل “حسن الرضي” سكرتيراً لتحرير (الأيام)، وسكرتير التحرير يعني مطبخ الجريدة إلى أن تدخل المطبعة، فالراحل “حسن الرضي” كانت له مقدرة فائقة في تنظيم وترتيب العمل بالسكرتارية ودائماً يبدأ العمل منذ منتصف النهار بدون كلل أو ملل، حافظ لوحه تماماً غير متآمر أو يقوم بـ”الحفر” كما هو الآن في صحافة الإنقاذ صغار الصحفيين يعملون على إفشال زملائهم ويتصيدون أخطاءهم عكس الأستاذ “حسن الرضي”، كان يساعد صغار الصحفيين بوضع أسمائهم على موادهم بالبنط الكبير.. والسكرتارية عبارة عن خلية نحل “شادية حامد” و”عثمان مبارك” و”عبد الحليم” و”ناهد”، حتى الإعلانات كان يوزعها بطريقة جيدة حسب الصفحات وأهميتها، لم أحس في يوم من الأيام أن الأستاذ “حسن الرضي” قد شكا من أحد أو تزمر في وجه صحفي، ولم نحس أن هناك أخطاء وقعت يوماً، فالعمل كان يسير كالساعة، الإعلانات كانت قسماً بمفردها، وحتى الصحفيين غير معنيين بجلب الإعلانات، فقسم الإعلان منفصل تماماً، والحكومة ترسل إعلاناتها للصحيفة ومندوب الإعلان يذهب لتسلّم الشيك.. لم يعرف الصحفيون (الكومشن) ولا العمولة، ولم يتركوا العمل التحريري لجلب الإعلان عكس ما نراه الآن وتهافت الصحفيين على الإعلانات، وحتى العاملين في أقسام العلاقات العامة والإعلام بالوزارات المختلفة أصبحوا مناديب إعلان ويسعون لأخذ العمولة علماً بأنهم موظفين ولا يحق لهم أخذ مال لا يستحقونه.
ذكرنا أن العمل في سكرتارية التحرير يسير بصورة جيدة ورؤساء الأقسام يقدمون موادهم جاهزة ومراجعة ومقترحات الخطوط، لذلك لا توجد مادة تمر من رئيس القسم دون التدقيق فيها لذا الأخطاء كانت نادرة، عكس ما نراه اليوم فهناك مواد من المنتج للمستهلك، بمعنى المادة من الصحفي إلى السكرتارية، إما عملت على مراجعتها أو قدمتها بصورتها التي جاءت من المحرر، أما محرر السهرة وهو الذي يشرف على الصفحة الأولى فهو بمثابة رئيس تحرير في تلك الليلة، يتسلم المواد من رئيس قسم الأخبار ثم يعرضها على رئيس التحرير واقتراحات الخطوط.. ومن مهام محرر السهرة الاستماع إلى الإذاعات العالمية قبل أن يدخل الانترنت و(واتساب) فيلتقط الأخبار ويعيد صياغتها، كما يستمع إلى نشرة التاسعة مساء قبل أن تصير نشرة الأخبار بتلفزيون السودان عند العاشرة، ومن حق محرر السهرة تعديل الخطوط إذا أحس أن هناك أخباراً مهمة وردت إليه ليلاً، ودائماً ينتهي محرر السهرة من عمله بعد الثانية صباحاً تقريباً بعد إشرافه على توضيب الصفحة الأولى ومن ثم تقديمها إلى المطبعة، ونادراً ما تحدث أخطاء لأنها صفحة واحدة فقط، وإذا وقع خطأ كبير ما عليه إلا أن يتوكل في اليوم الثاني ويستعد لمغادرة الصحيفة نهائياً، وهذا نادراً ما يحدث أو قليل جداً.

Exit mobile version