تخيلوا – جافر كلينتون

فُرجت بعد أن كدت أصاب باليأس، فمنذ نحو ثلاثين سنة وأنا أناضل بالناب والظفر لكي أنمي سنامًا ماليًا، أعيش عليه ما تبقى لي من عمر، طرقت في سبيل ذلك عدة أبواب، كان أولها باب شركة أرامكو النفطية العملاقة التي منحتني وظيفة وراتبًا محترمًا، ولكن الراتب كان يضيع «أولاً بأول» على الآيسكريم ودجاج كنتاكي والسجائر الأمريكية والبريطانية، قضيت سنوات الدراسة الجامعية على أحر من الجمر في انتظار التخرج والحصول على وظيفة ليتسنى لي أن أتناول الأطايب من دجاج وآيسكريم ولقيمات بكميات تعوض سنوات الحرمان، وعندما اكتشفت دجاج كنتاكي لم أتردد في «فتح حساب» لدى محل بيعه خوفًا من نفاد الكميات المعروضة.
على كل حال ضاع راتب شركة أرامكو داخل بطني، وبعدها لم أترك دولة نفطية من دون أن أعمل فيها. ومن بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك هناك دولتان فقط لم أعمل فيهما، هما: فنزويلا، وبروناي، ومع كل انتقال من بلد إلى آخر كان الراتب يزداد، وعدد أطفالي يزداد، وقامت جينات الوراثة بدورها كاملاً، فنشأ عيالي محبين للآيسكريم ودجاج كنتاكي، ثم ذهبوا في ذلك الشوق أبعد مما ذهبت، فوقعوا في غرام بيرغر ماكدونالدز، ثم مطاعم وجبات بطيئة ذات اسماء بديعة، ما يدل على أنهم عملاء للإمبريالية وقوى الاستكبار، ونتيجة لمسلكهم الشائن ذاك، كان راتبي يتبخر في سرعة قياسية بالدرجة التي لم أفكر فيها إطلاقًا بفتح حساب مصرفي، ولم أنجح بالتالي في تكوين رصيد استعين به في مستقبل الأيام.
وكلما كبر العيال وكبرت نفقة إعالتهم ازددت هلعًا وخوفًا من غدر الزمان. قاطعت أطايب الطعام وفطمت عيالي عن الأكلات الامبريالية، وعاد الفول ليتصدر المائدة في دارنا، عدنا إلى الملوخية والفاصوليا وما إليها من أطباق تولد تلبك الأمعاء والغازات وتهدد مستقبل الاوزون، ولكن كما قال سعد باشا زغلول «مفيش فايدة»، لا مدخرات، ولا راحة بال. عندئذ لجأت إلى بعض الحلول الثورية، فبعد تقليب الأمر على وجوهه كافة وجدت أنه ما من سبيل إلى تفادي «البهدلة» في الشيخوخة سوى الاقتران بامرأة ذات جمال ومال، وهكذا كان أن خطر لي أن أطلب يد الممثلة نبيلة عبيد لأنها «قيمة وسيما».. واستشرت والدتي في الأمر فوافقت بشرط أن تتحجب السيدة نبيلة فور الزواج بي. وهكذا بعثت إلى نجمة النجوم بسيرتي الذاتية وحرصت على عدم تزويدها بصورة فوتوغرافية لشخصي، ولكنها تجاهلتني. وكان عزائي أنها تجاهلت غيري، فلم يكن أمامي من سبيل سوى البحث عن بديل، ولما تدهورت العلاقات بين الأمير تشارلز وحرمه ديانا بنت سبنسر قلت: «وجدتها»، ولكنها كانت كثيرة الترحال فهجرتها، فكان أن أحبت عماد الفايد نكاية بي وراح فيها «الجوز» في حادث مأساوي في باريس.
على كل فإنني أحمل القراء أمانة، ألا وهي أن من يقابل منهم نبيلة يخبرها بأنني صرفت النظر عن الاقتران بها بعد أن وجدت الحل.. الحل هو أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أعلن أنه وحرمه قررا تبني «شخص».. عندهما بنت واحدة، ويريدان ضيفًا جديدًا يملأ عليهما حياتهما، وقد قررت أن أكون ذلك الشخص، وأعتقد أنَّ فرصتي في الفوز ببنوة آل كلينتون طيبة؛ فلأنه ديمقراطي لن يمانع في تبني شخص أسود مثلي.. ولأن الصحف أكلت لحمه وشحمه بحجة أنه قام بمعاكسة بعض النساء، فسيكون ميالاً إلى تفضيل الذكور على الإناث تفاديًا للقيل والقال.. ولأنه كان ضد الحرب في فيتنام فسيعجب بي لأنني لم أكن فقط ضد الحرب في فيتنام بل كنت ضد أمريكا والسي. آي. أيه وجونسون ونيكسون وكارتر وريغان ومايكل جاكسون وبوش ورؤساء الولايات المتحدة اللاحقين.
وبدلاً من أن يتبنى طفلاً صغيرًا يعيده إلى عهد الحفاضات وزجاجات الرضاعة فإنه -أي كلينتون- من رجاحة العقل بحيث سيختار شخصا «جاهزًا» مثلي لديه زوجة وعيال، ولا يحتاج إلى رعاية خاصة، بل يحتاج إلى بعض المال، وجواز سفر أمريكي يحميه من غائلة الزمان وعذاب الانتماء إلى العالم الثالث عشر، ويجعله «ابن النظام العالمي الجديد».

Exit mobile version