جوبا.. (العشاء الأخير)..

في أمريكا يختار الرئيس نائبه قبل دخوله الانتخابات.. وفي دول أخرى كثيرة يُترك للرئيس حُرية اختيار نائب أو أكثر وفق إرادته.. أمّا في دولة جنوب السودان فإنّ القدر وحده هو الذي أتى للرئيس سلفا كير بالنائب رياك مشار.. فبينهما – منذ حرب إيما – ما صنع الحداد.
ومن أول يوم لهما في القصر الرئاسي كان واضحاً أن الرجليْن يتسابقان أيهما يكتب شهادة وفاة الآخر.. على الأقل الوفاة السياسية إن لم تكن البيولوجية.. ونفخ د. رياك مشار صافرة البداية عندما أعلن نيّته الترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2015، (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم)، أدرك سلفا كير أن القصر لم يعد يتسع لهما معاً.. وفي أنسب فرصة؛ عند اجتماع مجلس التحرير يوم 14 ديسمبر 2013 أعلن تلفزيون جوبا عن مُحاولة انقلابية بقيادة رياك مشار.. ثم بدأ الفصل الدامي الذي استمر عاميْن كامليْن فَقَدَ فيها جنوب السودان أكثر من مائة ألف وأضعافهم من المُتشردين.
بعد جُهدٍ مُضنٍ استطاع المُجتمع الدولي أن يعيد رياك مشار إلى جوبا في ذات موقعه الأول نائباً للرئيس.. لكن كان واضحاً من سيناريو العودة أنّه يحمل عنوان الحرب القادمة.. معركة (الحسم الأخير) التي إمّا أن تضع جنوب السودان على أعتاب الاستقرار السياسي أو تعيده لنفق الحرب الأهلية العرقية المُظلم.
الرئيس سلفا كير يقود جيشاً نظامياً يملك طائرات ودبابات وأسلحة ثقيلة، بينما نائبه مشار تحيط به فصائل مُقاتلة رافقته في رحلة العودة الأخيرة. قوة قادرة على حرب الاستنزاف في الغابة أو المدن البعيدة لكنها بكل تأكيد غير قادرة على الصمود والسيطرة على مواقعها في العاصمة جوبا..
يصبح السؤال المنطقي، هل هناك طرفٌ ثالثٌ في جنوب السودان يقود الأحداث لاتجاه جديد يتجاوز واقع اتفاق السلام بين الرجليْن؟ أم أنّ هناك سيناريو دولياً تشرف عليه أطراف خارجية يستهدف حل الأزمة في الجنوب باستخدام (الأمر الواقع) الذي يفرضه توازن القوة العسكرية بين الرئيس ونائبه.
في تقديري، أنّ سيناريو عودة الدكتور مشار بالطائرة من قمبيلا إلى جوبا بعد اتفاق السلام الكرتوني حمل الإجابة على السؤال، فقبل أن تسمح جوبا لطائرة مشار بالهبوط ثَارَ جَدلٌ كَبيرٌ وتأخّرت الطائرة بسبب تسليح المجموعة المُرافقة لمشار.. صورة مُرعبة لنائب رئيس يصل إلى عاصمة بلاده بعد تحسس قوة جيشه الصغير.. والمجتمع الدولي الذي تحمل عبء الأوضاع الإنسانية في جنوب السودان طيلة سنوات الحرب الأخيرة يدرك أنّ فرص بقاء الرئيس مع نائب رئيس مُتمرِّد عليه داخل قصر رئاسي واحد هو معجزة في عالم ولى فيه زمان المعجزات.
فَهل استدرج المجتمع الدولي مشار إلى جوبا من أجل (العشاء الأخير)؟!

Exit mobile version