القيادية الإسلامية البارزة د. عائشة الغبشاوي (1- 2) : خلال (27) عاماً لم ننتهج نهج النبوة ولم نخرج البلد من الفقر و لا يُعقل أن يتمتع الدستوريون بكل شيء ويُحرم الشعب!!

لا يُعقل أن يتمتع الدستوريون بكل شيء ويُحرم الشعب!!
للأسف.. أي فرد يجد فرصة في “صحن المواطن” لا يقصِّر

لم أجد في الإسلام شيئاً اسمه الحصانة ويجب نزعها لمعالجة الفساد
لا أستطيع أن أتصور لماذا السودان فقير ولا أجد مبررات لذلك

الأزمة الاقتصادية أزمة ضمير وليست “نقداً”
خلال (27) عاماً لم ننتهج نهج النبوة ولم نخرج البلد من الفقر

على قيادات المؤتمر الوطني التواضع والاعتراف بالأخطاء

انتقدت القيادية الإسلامية البارزة والنائبة البرلمانية عن المؤتمر الوطني د. عائشة الغبشاوي الوضع الاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد، مطالبة الحكومة بإعلاء الشورى والحرية والمساواة ورفع راية العدل ورفع الظلم عن الناس.

ودعت الغبشاوي في حوار مع (الصيحة) ينشر على حلقيتين، نواب البرلمان والدستوريين والورزاء إلى الإحساس بمعاناة الشعب وقالت: “لا يعقل أن يتمتع الدستوريون بكل شيء ويحرم الشعب من كل شيء” مشيرة إلى أن الشعب السوداني يُضحي من أجل الأمن واستتبابه ومن أجل الاستقرار وأنه لا يريد أن يكون الوطن سوريا أخرى أو يمناً جديداً، لذا فإن الشعب يأكل الآن من لحم جسده ولابد أن يمثل الدستوريون والوزراء والقيادات الأسوة الحسنة.

وروت الغبشاوي التي تعرف بجرأتها ومنافحتها القوية عن مشروع الحركة الإسلامية، قصة لقائها بالرئيس البشير في إحدى التجمعات الفئوية عقب إعلان الحكومة رفع الدعم عن المحروقات في سبتمبر الشهير، وقالت إنها ذكرت للبشير أن حوله كثير من المنافقين والمنتفعين. وتالياً الحلقة الأولى من المقابلة:

ـ يغيب عدد كبير من قيادات الحركة الإسلامية المعروفين عن المشهد الآن وتعقيداته.. أين دكتورة عائشة الغبشاوي؟
أنا موجودة وسط الجماهير، ولم تنقطع محاضراتي للنساء التي تقوم بترتيبها لي رابطة المرأة العاملة أو الاتحاد العام للمرأة السودانية أو حتى المؤسسات الجامعية، وأظن أن الله سبحانه وتعالى جعل أفضل الأدوار الإنسانية التي أقوم بها في خدمة هذا المجتمع لأنني أكن للسودان وشعبه شعوراً بالحب كبيراً يفوق أو يتساوى مع حبي لأبنائي وعائلتي لظني بأن السودان معطاء ولم يقصر أبداً في حق أبنائه ويشرفهم أينما ذهبوا ولا يشعرهم بأنهم أقل من الشعوب الأخرى، بل على العكس نتفرد بنوع من الصفات والفضائل عليهم، بجانب التكافل كأنما نحن المعنيين بقوله (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).. بس ربنا يرفع كبوتنا.

ـ أي كبوة تقصدين .. السياسية أم الاقتصادية التي تخنق بلادنا الآن؟
السودان بلد متعدد المناخات وأراضيه خصبة وماؤه وفير.. وأذكر في وقت مضى كانت الخرطوم تصدّر الخضار إلى جدة السعودية.. حينها كان الخضار السوداني في المحال التجارية بجدة يباع في غضون ساعة واحدة فقط.. لأنه إنتاج أرض بكر مسقية بماء عذب.. وما تزال اللحوم السودانية من أجود اللحوم لأن الثروة الحيوانية عندنا تتغذى على المراعي الطبيعية وتختلف عن اللحوم الأخرى، وبالتالي فإن بلداً بهذه الميزات الطبيعية يجب ألا يجوع أهله بأي حال، لكن للأسف الجوع الاَن منتشر في كافة أحياء العاصمة المثلثة خاصة الطرفية منها والتي بها عدد كبير من النازحين الذين فروا من ولاياتهم إما من الحرب أو الأحوال الاقتصادية.. بلد فيه كافة أنواع الخيرات ولكل ولاية خصوصية معينة في منتجات المحاصيل الزراعية والحيوانية، فيه بترول وذهب ومعادن أخرى نفيسة.. بصراحة لا أستطيع أن أتصور لماذا السودان فقير ولماذا الشعب فقير؟؟

ـ هل يمكن وضع تصورات لأسباب سياسية أدت إلى الأزمة الاقتصادية؟
في هذه الحالة يجب أن نسأل هل أدرنا هذه الثروات بالصورة العلمية الصحيحة التي من خلالها يتمتع الشعب بكل احتياجاته الضرورية، ومن خلالها ينمو البلد وتنجز البنية التحتية وتتطور البلد؟ أم إن هناك عقبة كؤوداً تقف أمام هذا الانطلاق؟ حقيقة أنا لا أجد أي مبررات لما يحدث بخلاف آخرين ربما لديهم مبررات لما يحدث لكنني لا أجد أي مبرر لهذه الحالة الاقتصادية التي نحن عليها الآن.

ـ هل صحيح أنك كنتِ أول من تنبأ بانهيار الاقتصاد أثناء وجودك بالبرلمان؟
نعم، قبل ثلاث سنوات قلت بالمجلس الوطني السابق إن الاقتصاد في طريقة إلى الانهيار، وفي ذلك الوقت “الجنيه” بعافية ولم يصل إلى مستواه اليوم، وقلت إن الأزمة الاقتصادية في الأساس هي أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة نقد أو غيره.

ـ الاقتصاديون بالحكومة لهم تبريراتهم.. هل ما زلتِ عند تصوراتك السابقة التي تحصر المشكلة الاقتصادية في “أزمة ضمير”؟
نعم، لا زلت عند رأيي بأن الاقتصاد السوداني بخير وعافية.. وفي ندوة حضرتها قبل أسبوعين تقريباً، عدّد الخبراء الاقتصاديون الأسباب التي قادت إلى الأزمة وهي معلومة حتى لعامة الناس.. فالترهل الحكومي البائن بجانب كثرة المجالس التشريعية وكثرة الوزراء ومن هم في مرتبة وزير أرهق ميزانية السودان، وأكاد أجزم بأن الفساد أصبح يجري في دم أي سوداني، ومن المفارقات الكبيرة أنه عندما زاد سعر اسطوانة الغاز (5) جنيهات وأصبح سعرها الرسمي (80) جنيهاً بيعت في محال التوزيع بـ(125) جنيهاً.. لذلك أقول إن أي فرد يجد فرصة في صحن المواطن لا يقصر .. حتي نحن كمواطنين بيننا وقس على ذلك.

ـ أين هو الحزب الحاكم “القائد” “الرائد” مما تقولين؟
بما أننا في المؤتمر الوطني نعلن الشريعة الإسلامية ونهتدي بهدي الإسلام .. كان لابد لـ(27) عاماً التي حكمنا فيها السودان أن تترك بصمات واضحة جداً على سلوك وأخلاق الشعب السوداني وأن تكون الحكومة نفسها مع الشعب في نفس المستوى من الانضباط الإسلامي، وأن تعلي من قدر الشورى والحرية والمساواة وترفع راية العدل وترفع الظلم.. لكن ذلك لم يحدث.. قرأت عن فساد القطارات وغيرها.. أرى أنه يجب صلب كل من تورط في أمر القطارات التي حدثت وقطعه من خلاف، وكل هذه النقاط من صميم مبادئ الإسلام المعروفة في النظام السياسي، ويجب أن تكون موجوده وأن وتكون هي الحاكم أولاً أخيراً.. لو نظرنا إلى المجتمع الجاهلي مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم تكن النقلة الحضارية العلمية فقط لمجمتع الجزيرة العربية إنما النبي الكريم أثر في كل المجتمعات التي حوله بل في العالم أجمع، وهذا يتأسس بمعطيات الإسلام الصحيح وبمبادئه الأساسية .

يجب ألا “تشدهنا” أو تلفت أنظارنا المبادئ التي تنادي بها الأمم المتحدة أو التي تحتضنها المواثيق الدولية لأنها موجودة في ديننا، وكل هذه المبادئ قام المستشرقون بأخذها من الإسلام وبلورتها في ما يعرف بالمبادئ الإنسانية أو غيرها من المبادئ التي استخْلِصَت من الإسلام الذي وضع النقاط على الحروف.

ـ هل تنادين بإعادة قراءة المرجعية الإسلامية للحزب الحاكم؟
لو انتهجنا خلال الـ(27) سنة منهج النبوة وقام القائمون على أمر المؤتمر الوطني بقراءة متأنية للسيرة النبوية لكنا فعلاً قد أخرجنا البلاد مما كانت عليه إلى أفضل الأحوال.. لكن المسافات بعيدة جداً، لذلك لابد للقائمين على أمر المؤتمر الوطني ونحن معهم أن نتواثق ونتواضع ونعترف بالأخطاء.. ونحن بشر غير معصومين نخطئ ونصيب.

ـ هل يصلح الاعتراف بالأخطاء ما أفسدته السياسات؟
عندما عصى سيدنا آدم أمر الله فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه.. نحن لسنا بعيدين عن هذا المنهج.. يجب أن نعترف بأخطائنا ويجب معالجة الأخطاء فوراً ويجب تفعيل مفوضية الفساد ومحاسبة أي شخص مخطئ مهما كان.. إطلاقاً لا يوجد شيء اسمه الحصانة في الإسلام..هناك التقوى والخاصية الوحيدة التي تميز الإنسان عن أخيه الإنسان هي التقوى وهذه الحصانة إن أصبحت ستاراً من ورائها يلعب الآخرون ويفعلون باسمها الأفاعيل.. فهي لابد أن تنزع حتى نعالج علاجاً جذرياً قضية الانهيار الاقتصادي ويتعافى الاقتصاد ويؤدي دوره المنوط به من تعليم وصحة وخدمات لأن الوضع الآن في كل شيء “مكسح”.

ـ كيف تنظرين لدور نواب البرلمان في ظل هذه الأوضاع والعلاقة بين الجهازين التشريعي والتنفيذي؟
البرلمان يحاول تصويب الأمور.. وأحياناً يحدث بعض التضارب الذي يحتاج إلى معالجة.. مثلاً هناك تضارب بين توجه الحزب وآرائه وبين الجهاز التشريعي والتنفيذي، وأحيانا التنفيذي لا يأبه للجهاز التشريعي ويستخف بآرائه.. وكذلك الوزراء يأتون ويحاسبون وقد ترفض تقاريرهم وأحياناً يصل الأمر إلى درجة طرح سحب الثقة.. أظن أن النواب يبذلون قصارى جهدهم لتوجيه الجهاز التنفيذي لإصلاح المسيرة، لكن أحياناً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

ـ من خبرتكِ التشريعية الطويلة..هل تعتقدين بوجود مبررات للغلاء المتفشي بالبلاد حاليًا؟
الآن الدولة تعتمد اعتماداً كلياً على الجمارك والضرائب لأن وارداتنا 9 مليارات بينما الصادر 3 مليارات فقط، وهناك فجوة تحتاج إلى إصلاح.. أيضاً المظاهر البذخية التي تحدث لا تتناسب وحديثنا عن الانهيار الاقتصادي، فهناك سيارات فارهة جداً للمسؤولين بجانب أن الشعب يتحمل المنصرفات المرهقة للمسؤولين من فاتورة الكهرباء والمياه والهاتف، والميزاية لا تغطي هذه المنصرفات.

ـ هل أنتِ من المؤيدين لخفض الإنفاق الحكومي؟
نعم، لأن الشعب الآن يضحي من أجل الأمن واستتبابه ومن أجل الاستقرار، لا يريد أن يكون سورية أخرى أو يمناً اخرى، والشعب يضحي بالكثير ويأكل الآن من لحم جسده، ولابد أن يمثل الدستوريون والوزراء والقيادات الأسوة الحسنة, وأشيد بمولانا أحمد هارون الذي رفض المخصصات حينما صار والياً لجنوب كردفان واكتفى براتب 4 آلاف جنيه فقط. ويجب علينا كنواب ووزراء ودستوريين أن نثمن هذه التضحيات وأن نضحي جميعاً مثله.. إذ لا يعقل أن يتمتع الدستوريون بكل شيء ويحرم الشعب من أي شيء.

ـ أنتم أيضاً في البرلمان تصرفون صرفاً بذخياً يا دكتوره؟
أنا مثلاً عضو برلمان وكذلك اُضحي مع المواطنين.. فأنا أستاذة جامعية أيضاً ودخلي من الاثنين لا يكفيني، في نقطة لابد أن نصحح بعضاً من الفهم الخاطئ بالنسبة للنائب يتصور البعض أنه يكتنز المال.. بل حتى أولادي يقولون لي ” يا أمي انتو خامين قروش البلد كلها والنائب راتبه كبير ولديه مخصصات”. وهذا غير صحيح، فالنائب يتقاضى راتباً متواضعاً جداً 3 آلاف إلى 3 آلاف و900 كحد أقصى وليس لنا مخصصات أو بدل ترحيل أو سكن، وهناك نواب من خارج الخرطوم لديهم بدل ترحيل.

ـ ما حقيقة الاتهامات المنسوبة إليك بوجود “منافقين” و”منتفعين” حول الرئيس؟
إبان رفع الدعم عن المحروقات وبعض السلع الأساسية قلت للأخ الرئيس الذي جُمع له قطاعات من الشعب السوداني.. قلت له إني موفدة النساء إليك ومن ورائي خلق كثير يقلن بقولي ويرين رأيي، وأذكر جيداً أنني قلت له هؤلاء الأخوات الموجودات أمامك إما مطلقات أو أرامل أو عوانس أو مهجورات وإن المسؤولية أصبحت على عاتق المرأة، طلبت من الرئيس أن يكون قدوة بالنسبة للدستوريين وأن نقلل نوع العربات التي يركبونها والمواكب التي يخرجون بها، لأن هذه الأشياء لا تتناسب مع بلد يرفع الدعم عن السلع وبلد “تعبان” واقتصاده منهار.. ومظهرنا كحكومة يخالف الواقع المعاش وقلت للرئيس حولك الكثير من المنافقين والمنتفعين، والحقيقة الرئيس غضب جداً مني وقال لي أنا خصيمك أمام الله يوم القيامة.

ـ هل ما تزالين تعتقدين بوجود منتفعين ومنافقين في حزبكم؟
يقول تعالى (وَمِنَ النّاس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّه عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ*وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّه أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ* وَمِنَ النّاس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّه وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد)، فهناك من يظهر حبه ووده للمؤتمر الوطني وهو صاحب منفعة.

ـ إذن من هم أهل المؤتمر الوطني الحقيقيون؟
المخلصون الآن بعيدون.. إما على الرصيف أو متفرجين، وعلى الرغم من أن هناك تطعيماً ببعض الشخصيات.. لكن الأمر أصبح لغير أهله.. لأننا نعمل الترضيات والجهويات والقبليات النتنة والتي أوصلت البلد لهذا الحال البائس.

حاورها: ناجي الكرشابي
صحيفة الصيحة

Exit mobile version