النيلين
ضياء الدين بلال

(نحن بخير)

-1-

صديقنا عبد الرحمن حسن بالخارجية القطرية، صاحب تعليقات لطيفة وملاحظات حصيفة، ويتمتع بطاقة تفاؤل زاخرة بالأماني السعيدة.
لا تجده مُحبطاً ولا غاضباً ولا يتحدَّث عن الآخرين بسوء، ولا ببذيء قولٍ أو جارحِ كلم.
ورغم اغترابه عن البلاد، لأكثر من عشرين عاماً، تجد لعبد الرحمن إيماناً صميماً بالسودان كوطن عامرٍ بالخيرات والفرص، وبالسودانيين كشعبٍ متميّزٍ بصفات لا تجدها سائدةً في سائر الأمم.
لصديقنا حكايا وقصصٌ يرويها حتى يُقنعك بمشاركته تلك القناعات.
في بعض المرات – رغبةً مني في المزاح واستثارة انفعالاته اللطيفة- أُعلِّق على بعض الأشياء أمامه، بصورة سالبة، وأنتظر ردود فعله العفوية لأمتع نفسي بالضحك.
ترى كيف ستكون الحياة بلا ضحك مع أمثال عبد الرحمن؟!

-2-
في إحدى إجازات عبد الرحمن الرمضانية وهو معي بمكتبي في الصحيفة انقطع التيار الكهربائي، قلت له: (تقول لي جاي أستقر، أها بتستحمل قطوعات الكهرباء في رمضان؟).
ابتسم صديقي وقال لي بثقة ويقين: (هذه نعمة لا تُقدِّرونها أن تقطع الكهرباء وتعود مرَّة أخرى).
قلت له بتعجب: كيف نعمة؟!
ردَّ عليَّ قائلاً: (انقطاع الكهرباء وعودتها يجعلكم تشعرون بقيمة الكهرباء، كنعمة ضرورية تستحق الشكر).
ضحكت….
ونحن في الطريق لمنزله ببحري كان علينا العبورُ بشارع مهترئ، حُفَر ومطبّات مفاجئة.
قلت لعبد الرحمن: (لن تجد في قَطَر مثل هذه الطرق البائسة التي تهدّ حيل أجعص عربية).
ابتسم….
ظننت أنني أقمت عليه الحجة وأنه سيُوافقني الرأي.
فإذا به يلقمني بتبرير مدهش ولطيف..
قال لي: (يا ضياء هل اطَّلعت على آخر الإحصائيات عن حوادث المرور في دول الخليج وعدد الضحايا، كثرة هذه الحوادث سببها جودة الطرق والاطمئنان لها إلى درجة القيادة بتهور وطيش تترتب عليه مآسٍ وفواجع).
واصل صديقي في الحديث: (إحساس السائق بسوء الطرق وعدم أمانها يفرض عليه القيادة بحذر وتركيز، لذا تقل حوادث المرور في السودان)!

-3-

صداقتي بعبد الرحمن، بدأت بمعسكرات الدفاع الشعبي الإلزامية، قبل دخول الجامعة 1991، جمعنا حُبُّ المريخ الأحمر الوَهَّاج. فاجأتني معرفة الشاب النحيل لأدق تفاصيل المريخ؛ أسماء اللاعبين المتعاقبين، وذكريات الأهداف.

أكثر ما أثار دهشتي وقتذاك، حفظ عبد الرحمن، بالحرف والكلمة، للتعليق الإذاعي الشهير الذي كَتَبه لبرنامج (عالم الرياضة)، الرائع عبد الرحمن عبد الرسول وقرأه المبدع صاحب الحنجرة الماسية محمد عباس سعد في مباراة المريخ والفهود الكيني بتنزانيا عام 86 في أول كأسٍ محمولةٍ جوَّاً.
في كُلِّ مرَّة في ليالي المعسكر كنتُ أطلب من صديقي الجديد، تسميع ذلك التعليق الذي لم أجد له مثيلاً في تاريخ التعليق الرياضي إلى اليوم.

-4-
وقبل كُلُّ مباراة مُهمَّة للمريخ وما بعدها، كنتُ أتحدث مع عبد الرحمن عبر الهاتف في استديو تحليلي مغلق بيننا.
قبل مباراة المريخ الأخيرة مع ريفيرز النيجيري، كان عبد الرحمن على قناعة قاطعة لا يعتريها شك، بأن المريخ سينتصر ويتأهل للمجموعات.
عقب المباراة اتصل بي عبد الرحمن فَرِحاً بصورة فوق معدلات فرحه المعتاد.
لم يكن معلّقاً على المباراة أو على الأهداف الأربعة ولكن على عظمة الجمهور الذي فرض على اللاعبين اللعب بمسؤولية وقوة تقهر المستحيل وتُطوِّع الصعاب.
وختم حديثه معي قائلاً: (طالما الشعب السوداني لا يزال يُتابع المباريات بهذه الأعداد الغفيرة التي لا يضاهيها مثيل في إفريقيا والوطن العربي وبحماس دفاق، فنحن بخير).

ضياء الدين بلال
صحيفة السوداني

شارك الموضوع :

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.