تحقيقات وتقارير

النثريات.. هل تضع نزاهة الصحفيين على المحك؟.. والي ولاية: لا نطلب من الصحفيين الكتابة عن إنجازاتنا

مجلس الصحافة يناشد الولاة بعدم منح الصحفيين أموالاً
اتحاد الصحفيين: في حالة واحدة فقط يمكن استلام النثريات
كاتب صحفي يُشكِّك في مصداقية الصحفيين، وآخر يضع المسؤولية على الناشرين
صحفي: الحصول على النثرية أمر عادي ليس فيه حرج

إن لبَّى صحفي دعوة سفر داخلية إلى ولاية أو منطقة ما، وأعطته الجهة الداعية، سواء كان والي الولاية، أم شركة خاصة أو حتى مؤسسة حكومية “نثرية سفر” هل في الأمر ما يعيب المهنة، ويشكك في نزاهة الصحفي؟ وهل نثرية السفر محكومة بمقدار مالي معين هو الحد الفاصل بين النثرية و(الظرف) الذي يُفسر كنوع من أنواع الرشوة؟
ما قاله الكاتب الصحفي إمام محمد إمام في حوار سابق مع (السوداني) بأنه يقبل الحصول على نثرية السفر ولا يسبب ذلك له إشكالية “لأنه ذهب متفرغاً إلى الولاية معطياً من وقته وجهده”؛ فتح باباً واسعاً من الآراء، فمنهم من رأى أن قبول الصحفي لأي أموال مهما كان مسماها يشوه صورته ويهز مصداقيته، لكن هناك من أبعد هذه التهمة عن نفسه والآخرين، مؤكداً أن المؤسسات الصحفية فقيرة في مجال النثريات، وأن قبول النثرية أمر مُتبع في عدد من الدول، كما أنه لا يندرج تحت باب (الرشوة) بأي حال.
آراء جريئة وحادة قالها اتحادُ الصحفيين ومجلسُ الصحافة والمطبوعات وقادةُ الصحافة والصحفيون حول الأمر، قدم خلالها كل طرف دفوعاته، ولاستكمال المشهد سعت (السوداني) لمعرفة نظرة الولاة للمسألة التي أصبحت أمراً شبه معتاد بأن يخصصوا “نثريات سفر” للصحفيين.

الخرطوم: لينا يعقوب
لماذا في الأساس يعطي الولاة أموالاً للصحفيين؟ ألا يكفي أن يوفروا لهم الاستضافة الكاملة من تذاكر ومسكن ومأكل، وبذلك يبعدون الشبهات التي قد تحيط بالصحفيين الزائرين؟
السؤال أعلاه طرحه بعض زملاء المهنة المناوئين لقبول النثرية باعتبارها تجعل الصحفي منحازاً في كتاباته، وهو ما جعلنا نوجه السؤال إلى والي جنوب دارفور آدم الفكي، الذي استقبلت ولايته من قبل مجموعة من الصحفيين.
آدم الفكي كان حاداً في إجاباته وشكك في المغزى من طرح هذه الأسئلة عليه، وقاطع أسئلتنا له بعبارات “لو أنا أتيت إليكم في منزلكم ألن تقوموا باستضافتي؟”. وحول المقصد من استضافة الصحفيين وإعطائهم أموالاً قال الفكي بنبرة غاضبة لــ(السوداني): “هذا حديث غير صحيح، فالوالي لا يطلب من الصحفيين أن يأتوا إلى ولايته ليكتبوا عن إنجازاته”، مضيفاً أنه استضاف مجموعة من الصحفيين لأن لديه معهم قضية تتمثل في منطقة “شطاية” التي حدثت فيها تنمية وعودة طوعية وأصبحت قضية عالمية، فمنحهم طائرة للوقوف على الأوضاع، مضيفاً أن الاستضافة تكون بسبب معين وأنهم لا يأتون عبثاً، بل أكد أنه استدعى صحفيين من قبل لغرض معين واختتم حديثه “لو كانت لديكِ قضية مع الصحفيين وسفرهم ونثرياتهم أنا ما عندي معاها شغلة”.

قاعدة استثمارية
ورغم أن الوالي الذي بدا عليه الغضب لم يجب عن الأسئلة الكاملة، إلا أن الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد، لم يخشَ اتهام (عُصبة الكرام) أو كما سماها (مجموعة إمام) بأنها قائمة على بعد استثماري، تقوم على قاعدة أن يستثمر الصحفيون خبراتهم وعلاقاتهم بأجر مدفوع القيمة، ويقول في حديثه لـ(السوداني) إن المجموعة نفذت أكثر من منشط مدفوع القيمة، لأن الفكرة قائمة على أنك تقدم خبراتك على طبق من ذهب للولاة، فالوالي بحسب عبد الماجد يستغل الصحفيين في أحيان بالسماح لهم باعتلاء المنابر وتوجيه حديثهم لحكومة الولاية، التي تعرف أنهم جاءوها بطريقة “مدفوعة القيمة” واعتبر أن هؤلاء الصحفيين لن ينظروا إلى النقاط السالبة الموجودة في الولايات.
وحول النثريات التي يمكن أن يقبلها الصحفيون الآخرون – خارج عُصبة الكرام – رأى أن القصد منها تزيين صورة الولاية، مؤكدا أن استلام الأموال أثّر على مهنية الصحافة صغارا وكبارا، الأمر الذي جعل مساحة العلاقات العامة في ازدياد، مشيرا إلى أن هذا الأمر “أصبح ملاحظاً في كتابات بعض الزملاء خاصة في الآونة الأخيرة”.

نثريات مقبولة
الصحفي آدم محمد أحمد من (اليوم التالي) الذي زار كثيراً من الولايات بدعوة من الولاة أو جهات أخرى، تحدث هو الآخر بشفافية مقدماً عمله الذي يُكتب في الصحيفة دليلاً أمام الرأي العام.
آدم رأى أن قبول نثرية السفر أمر عادي، متبع في كثير من الدول، فطالما تغيب الصحفي عن أسرته وخصص كل وقته وجهده للحصول على مادة صحفية، من حقه الحصول على نثرية السفر خاصة أن الصحف لا توفر هذه النثريات، مشيرا إلى قوانين تسمح للجهة الداعية بمنح نثريات السفر وأنه من حق الصحفي أن يأخذها أو يرفضها لأن الأمر يعتمد على قناعاته، وأكد أنها لا تؤثر على العمل إلا إن كان هناك اتفاق مسبق بين الجهة الداعية والصحفي، وقال: “أنا سافرت مع نائب الرئيس إلى دارفور وهو لا يطلب مني أن أكتب عن شيئا معينا وأتغاضى عن الأشياء الأخرى، إنما أقف بنفسي على الحقائق الموجودة، فأنقل كلام المسؤولين وإفادات المواطنين ولا أُلمِّع أو أُزيِّن الحقائق”. واعتبر آدم أن مثل هذه الدعوات لا تستطيع الصحف توفير تكاليفها إنما هي فرص تأتي للصحفي يقف فيها على الحقائق وبشكل مختلف، ووضع آدم ما يكتبه الصحفي دليلاً على أن النثرية لا تؤثر على قلمه، وأشار إلى أن هذا الأمر غير متبع في جميع الولايات “فهناك ولاة لا يوفرون سوى الإقامة”.

في حالة واحدة فقط
لوائح قبول النثريات حددها اتحاد الصحفيين السودانيين لكن لعضويته (المجلس الأربعيني وأعضاء المكتب التنفيذي) وهي لائحة قديمة موجودة منذ وقت مبكر في الاتحاد، وتسمح لمن تم اختياره بالسفر التكفل برحلته وحصول العضو على نثرية السفر والتي تكون رمزية بحسب الأمين العام للاتحاد صلاح عمر الشيخ، والذي قال في حديثه لـ(السواداني) إن المؤسسات الصحفية من المفترض أن تتكفل بمنح النثرية حتى يظل الصحفي محايداً ومهنياً معتبراً أنه الوضع الطبيعي والرسمي والذي يدافع عنه الاتحاد.
صلاح الشيخ كان واضحاً وهو يعتبر أنه في عرف الصحافة يجب على الصحفي أن لا يقبل أموالاً تحت أي مسمى، إلا في حالة واحدة، إن تم الاتفاق عبر المؤسسات، أي أن تطلب الولاية من المؤسسات الصحفية ترشيح أسماء صحفيين لزيارتها، وتبلغ الصحيفة أنها ستتكفل بالسفر من إقامة وإعاشة ونثريات، وفي هذه الحالة لا حرج، لأن الاتفاق تم بين الولاية والمؤسسة، وهذا أفضل وأكرم للصحفي لأنه إجراء تم تحت الضوء. ويشير إلى أن كتابات الصحفي التي تأتي بعد ذلك حتى إن كانت موجبة عن الولاية لا تشكل تهديداً لمهنية الصحفي لأنه لم يكن هناك اتفاق مسبق بينهم.
وأكد صلاح الشيخ أن مجلس الصحافة هو الجهة التي يمكن أن تلزم الصحفي بالالتزام بأخلاقيات المهنة حول هذا الأمر.

مسؤولية الناشرين
ورغم تباين الآراء إلا أن الكاتب الصحفي والخبير الإعلامي عادل الباز يصر على أن الجهة المخدمة هي فقط من عليها دفع نثريات الصحفي، فإن رأت أن هناك عملاً صحفياً يمكن أن يُقدَّم خدمة لقرائها فعليها التكفل بكافة المنصرفات. ولم ينكر الباز أن الناشرين تخلوا عن كثير من مسؤولياتهم تجاه الصحفيين، تاركين كفالة الإعاشة والإقامة للجهة الداعية سواء كانت شركة خاصة أو مؤسسة حكومية، معتبراً أن هذه الخطوة كانت بداية لمزيد من التنازلات.
ويبدو أن الباز سجل ملاحظاته حول أثر استلام النثريات من الجهات الداعية على مهنية الصحفي قائلاً: “من يرى كتابة كثير من زملاء المهنة خاصة الذين سافروا إلى الولايات، يشعر أن هذه الولايات جنة، لا تعاني أي من مشكلات الفقر والصحة وقلة مستوى الخدمات المُقدَّمة، وهم بذلك، عرَّضوا المهنة لمشكلات بمجرد قبولهم هذه الأموال”، على حد تعبيره.
وأقر الباز بوجود النثرية في السفرية الخارجية، لكنها وبالشكل الذي يحدث الآن داخل الولايات أمر مرفوض في الأعراف الصحفية.

مجلس الصحافة.. الرد الحاسم
بردٍّ حاسمٍ تحدث الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات عبد العظيم عوض حول “استلام النثريات” الذي أثار جدلاً وسط الصحفيين، موضحاً أنه ليس لديه نص واحد في القانون يمنع الوزير أو الوالي من إعطاء أموال للصحفي، لكن اعتقادهم المهني كمجلس للصحافة والمطبوعات أن ما يتقاضاه الصحفي من مسؤول أياً كان، يؤثر على أدائه، وقال: “لن ننتظر من صحفي يستلم أموالاً وهدايا من مسؤول خيراً في هذه المهنة”. وناشد عوض المسؤولين والولاة والوزراء أن لا يتعاملوا مباشرة مع الصحفيين حول المسائل المالية، رغم ما يعانيه الوسط الصحفي من سوء في الأوضاع الاقتصادية، مؤكدا أن أي نوع من أنواع التعامل المالي المباشر مع الصحفي يعتبر مهدداً لمهنة لها قدسيتها ويؤثر في حرية التعبير.
ولم ينسَ الأمين العام لمجلس الصحافة أن يُذكر الصحفيين بلائحة أجور الصحفيين لعام 2017، تحديداً في الفصل الثالث المتعلق بالعلاوات والبدلات، المادة رقم تسعة، والتي تؤكد أنه يجوز منح الصحفي المكلف بمأمورية خارج محطة عمله “نثرية سفر” تساوي أجر ثلاثة أيام من مرتبه عن كل يوم، وأن النثرية تُمنح وفق الدرجة القيادية، وفقط من قبل الجهة المُخدِّمة، قائلاً إنها حق أصيل من حقوق الصحفي.
وقال عبد العظيم إن هذه اللائحة كبيرة جداً، تتعلق بحقوق الصحفية المرضعة وبوجود علاوات للملبس والاتصالات وأشياء أخرى، أمن عليها الناشرين أنفسهم، ولم يفت عليه التنويه أنه من حق الصحفي الذي لم يحصل عليها أن يشتكي لمجلس الصحافة أو مكتب العمل للحصول على حقه.

الخرطوم: لينا يعقوب
السوداني