الإصلاح معضلة كبيرة في دولة تضم 7000 جزيرة و 42 ألف قرية



شارك الموضوع :

مرات عديدة خلال سياق التاريخ المعاصر إن لم يكن التاريخ القريب ظل يتردد فيها اسم «الفلبين». فخلال عقود ثلاثة من القرن العشرين: الستينيات إلى الثمانينيات ظل العالم يتسامع باسم فرديناند ماركوس (1917- 1989) الذي كان رئيساً للبلاد..
ولم يكن هذا التسامع في مصلحة الحاكم الأسيوي المذكور، بل جللت سمعته سحابات من الحكم الديكتاتوري والفساد السياسي- الاقتصادي والسلوكيات غير المسؤولة إلى درجة السفه في بعض الأحيان، ويكفي أن نستدعي إلى الذاكرة المعاصرة حكاية زوجته، إيميلدا، وثروتها الطائلة من أفخر وأغلى ماركات.. الأحذية التي كانوا يتسامعون بصيتها في عالم ذلك الزمان.
ويضيء كتاب « السياسة في الفلبين: الإمكانات والمشكلات في ديمقراطية ذات طابع محلي»، للمؤلف الدكتور لين وايت، الأستاذ الجامعي المتخصص في علم السياسة والشؤون الدولية، على مشكلة الفلبين أيضاً أن عاد اسمها ليتردد في أسماع مراقبي الشأن الآسيوي في الفترة الراهنة، حيث تترامى من العاصمة مانيلا أنباء منها ما يدعو إلى القلق وربما الجزع العميق، وهي ترتبط بالسلوك السياسي لحكامها، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي أعلن التزامه بمحاربة آفة المخدرات التي ارتأى من جانبه أنها توسعت بل استشرت في بلاده، سواء من حيث الإتجار أو من حيث التعاطي أو الإدمان، وكلها سلبيات مُسيئة للاقتصاد من ناحية ومدمرة لصحة المواطنين وخاصة الشباب من ناحية أخرى.
بيد أن مشكلة مانيلا الراهنة تتمثل في ما أعلنه رئيسها من مطاردة عصابات المخدرات، لا بسلطة القانون، ولكن بطلقات الرصاص ولدرجة الإعدام الفوري اللحظي الناجز وهو ما يدعو بداهة إلى القلق العميق فيما يأتي متناقضاً رغم سلامة النّية واستقامة الأهداف مع ما تقتضيه أعراف الديمقراطية وحكم سيادة القانون.
يذهب المؤلف إلى أنه برغم ما يمكن أن تكون قد حققته الفلبين من درجة من درجات التقدم في مجال الديمقراطية السياسية أو الممارسة الاقتصادية مع سنوات هذا القرن الواحد والعشرين، إلا أن المشهد السياسي- الديمقراطي في البلد الآسيوي المذكور، لا يزال ينقصه الكثير من الإصلاح والتقويم في ضوء التركة السلبية التي تناهت إلى هذا المشهد الفلبيني من أيام القرن العشرين. ويركز الكتاب على حجم ونوعية التحديات الراهنة التي تواجه هذه الممارسة الديمقراطية، وخاصة ما يتعلق بواجباتها الأساسية في خدمة جموع المحكومين.
ثم نلاحظ كقراء، كيف أن المؤلف لم يكتف في تحليلاته بالوقوف عند الأوضاع السائدة في العاصمة مانيلا، ولا في سائر الحواضر الكبرى في البلد الذي تغطيه مقولات هذا الكتاب: إن المؤلف يوسّع آفاق نظرته موضحاً كيف تتأثر هذه الممارسة السياسية بفعل وجود ونفوذ العشائر القبلية في الفلبين، وقد تعددت أصولها العِرقية من جهة وتنوعت مساراتها العقائدية والسلوكية بل والدينية من جهة أخرى: ما بين أصول «الملايو» الغالبة على السكان (يعرفون باسم الفلبينو) إلى «النغريتو» من الملونين ذوي البشرة الداكنة.. إلى المنحدرين من أرومة صينية، إلى المسلمين الذين تقطن غالبيتهم في أصقاع الجنوب فيما تدين الأغلبية من السكان بعقيدة المسيحية الكاثوليكية.
كما تعتمد الفلبين في معاملاتها العمومية نحواً من 70 لغة ولهجة، وإن كانت تستخدم في المقدمة لغة «التاغلوغ» ومعها كل من الإنجليزية والإسبانية في بعض الأحيان.
وقد ساعد على الانقسامات العشائرية القبلية واللغوية فيها، واقع أن كيان الدولة في الفلبين إنما يتألف من 7000 جزيرة تضم ما يصل كما يسجل هذا الكتاب إلى 42 ألف قرية وناحية وكيان محلي.
والمشكلة كما يضيف المؤلف- أن هذه الانقسامات القبلية، وبعضها له طابع إقطاعي، تؤجج لظى التنافس إلى درجة التصارع والتناحر على مستوى السكان، وخاصة مستوى الأقليات الأوليغاركية المسيطرة، وهو ما عكف مؤلفنا على تحليله ليخلُص إلى أن هذه الحقائق الماثلة على صعيد الواقع المحلي هي التي تكاد تطمس مثيلاتها التي يمكن أن تطفو أمام الدارس أو المراقب على الصعيد القومي، بمعنى أن ثارات القبائل وحزازات العشائر وصراعات العناصر المحلية المتحكمة هي التي أشاعت سلوكيات العنف وشقّت مسالك غير مشروعة إلى حيث انتشر الفساد السياسي.. وهو ما أفضى بنظر مؤلفنا أيضاً، إلى إصابة الشأن العام في البلاد بآفة الركود وحالة الاستقطاب التي انعكست بالسلب على اقتصاد الفلبين وسياستها.
صحيح أن رئيس الفلبين السابق بنغنو أكيتو، حاول إدخال عدد من الإصلاحات في هذا الصدد. لكنها ظلت خطوات متواضعة وإن أسفرت عن نشوء وبروز جهود للتفعيل الديمقراطي تحت شعارات سلطة الشعب.
ومن هنا بات يتعيّن على الرئيس الحالي، «رودريغو دوترتي، أن يواصل مسيرة الإصلاح رغم كل صعوبتها وتحدياتها، وهي مسيرة تتجاوز بداهة العمل على مكافحة المخدرات وتخليص الفلبين من شرورها.. إلى حيث يجري ترشيد الممارسة الديمقراطية، ومن ثم ترجمة هذه الممارسة إلى إصلاحات اقتصادية ترسي موازين العدل وتؤدي إلى تعميق الوحدة الوطنية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

البيان.

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.