تحقيقات وتقارير

ظاهرة فاشية.. مهرجانات السياحة.. جدلية الفرح والحزن الولائي

في الخدمة المدنية هناك قول شائع، حوله أخذ ورد ولكن نورده في هذا المقام لاتصاله بقضيتنا التي سنطرحها بعد هنيهات، ولكن لنبدأ بالقول الذي مفاده (إن أردت قتل قضية فأقم لها لجنة).

إذاً ما بال الولايات التي تقيم مهرجانات للسياحة والتسوق، أتراها تريد قتل قضية ما؟، أم أنه يصح ما تتقول به بأن هذه المهرجانات تهدف لإحياء الولاية اقتصاداً وثقافةً وفنوناً؟

عموماً، فإنه بعيداً عن حصائد الأرباح والخسائر، تقوم فرضية تقول إن مهرجانات السياحة المتفشية في الولايات، تخدم أغراضاً سياسية، فهل تستوي هذه الفرضية على سوق؟. إن كانت الإجابة (نعم)، فهل من حرج في تسيس الفن والسياحة ابتداءً؟ أما إذا كانت الإجابة (لا) فما هي الدواعي التي تنسف أس فرضية المهرجان كثور السامري في يم الحقيقة؟.

ايلا حديد

إن قلت مهرجانات السياحة، فقل ايلا. الوالي الحديدي منذ أيامه في البحر الأحمر، والولاية الشرقية قبلة للسياح والفنون ولمن يريد ترفيهاً. وبالفعل استطاع محمد طاهر ايلا، إعادة تعريف الولاية بأنها ولاية (عثمان دقنة، الميناء، المخبازة، ومهرجان السياحة).

وحاز ايلا كثيراً من الرضا الشعبي، وغير قليل من السخط لا سيما من في صفوف الساسة. ولكن يلزمنا هنا الاشارة لما يستتبع المهرجانات عادة من حاجة لبنى تحتية ظهرت في مدينة بورتسودان، وبالتالي كان ذهابه إلى ولاية الجزيرة أمنية كثيرين استقبلوه في الشارع، ليغير لهم وجه مدينتهم.

وعلى أيامه في الشرق، باتت بورتسودان قبلة للسواح، وهو ما استدعاه حين مقدمه للولاية الوسطى، لنقل ذات التجربة بصورة حذافيرية، حيث باتت ولاية لوزة القطن ملاذاً للمبدعين، وأهل الفن، ولا ننسى كذلك محلاً ومستوطناً لكرنفالات الخطب السياسية.

شعبية

النجاحات التي حققها ايلا كوالٍ شعبوي، يحصد عند نهاية كل مهرجان إشادات قادة الدولة، دفعت نظرائه في بقية الولايات إلى حذو مهرجاناته حذو الحافر بالحافر.

فقام مهرجان السياحة والتسوق في حاضرة ولاية جنوب كردفان، مدينة كادوقلي، ثم في كسلا الوريفة، وها هي الخرطوم تلتحق بالركب. ويقول واليها الفريق أول ركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين، إنهم بصدد إقامة مهرجان للسياحة والتسوق. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

فوائد جمة

يرى الباحث في الشأن الاقتصادي، القاطن بمدينة الحصاحيصا، ناجي عبد الآله، إن مهرجانات السياحة تحقق غايات عديدة، حيث تعرف بالفرص الاقتصادية والاستثمارية في الولايات، وقال لـ (الصيحة) إن مهرجانات السياحة والتسوق تصاحبها مؤتمرات اقتصادية، وتمهد لدخول الشركات المحلية والدولية في شراكات مع الحكومة والقطاع الخاص المحلي، وفي الصدد ذكر بإعلان شركات أمريكية نيتها حضور مهرجان السياحة والتسوق بولاية البحر الأحمر.

وأضاف عبد الآله إن مهرجانات السياحة من شأنها تحريك عجلة السوق المحلي، وخلق فرص للمواطنين لزيادة مداخليهم في قطاعات (التجارة، النقل، السكن) علاوة على ذلك فإن سلة الفوائد تشمل اضطرار حكومات الولايات عادة للاهتمام بالخدمات والبنى التحتية ما يصب في مصلحة المواطنين.

مثالب

في مواسم السياحة يحج أهل الفن إلى الولايات المعنية، ليعطروا الاستادات بالغناء، والشعر، والموسيقى.

وتعج الولايات عادة بالفنون الشعبية، والفرق الراقصة، والأطعمة المحلية، وكل ما هو تراثي، يسر أعين الناظرين.

لكن كل تلك المهرجانات الملونة يراها المحلل السياسي من ولاية كسلا، محمد عثمان الضي، بنظارة سوداء. ويقول لـ(الصيحة) إن كل تلك الألوان ليست إلا محاولة لإخفاء كثير من الندوب الناجمة عن السياسات الحكومية. مضيفاً بأن مهرجانات السياحة لا يعدو كونها كرنفالات سياسية، تقوم في الأساس لإرضاء المركز.

ولكن سيقال للضي إن احتجاجاته تعارض عملياً بعض المشروعات القائمة في الأرض وتسير بمعية هذه المهرجانات. فرد الرجل بأن كل تلك المشروعات (قشورية) ولا تنفد إلى حياة الأهالي مباشرة، وتعكس خللاً في ترتيب الأولويات، كما وتبين اختلالات بين المدن المزدانة بالفرح والقرى المتكية على أحزانها.

مؤكداً أن ما يصرف على انتداب المسؤولين والفنانين والضيوف، إذا ما تم توجيهه تلقاء تقليل معاناة الأهالي، لتحول واقعهم إلى أخر أقل قتامة.

مهرجان كلامية

عند نهاية كل مهرجان، تعقد ليلة كبرى، عادة ما يختار لمحلها استاد المدينة، ويجمع الناس عشاء، ليلقى عليهم تعاويذ السحر والفن والابداع، قافلين بخطابات الساسة الممجدة لمن أقاموا المهرجان ابتغاء إقامة نهضة الولاية.

ولأن الصورة تكون زاهية، يحظى سادة إطارها بالتمجيد، ولأن الناس شغوفون بما يملأ أرواحهم يتغنون بمن يغنيهم ما افتقدوه مع إيقاع الحياة وضغوطاتها.

وهذا جميعه يقودنا مختتماً لنقول إن مهرجانات السياحة والتسوق حمالة أوجه، فهناك من يراها تجلب للناس المنافع، وتزيد من مداخليهم، كما وتحسن من طقسهم النفسي. هؤلاء في مقابل من يرون أنها محض محاولة لصرف الناس عن قضاياهم الرئيسة، ليكونوا في خدمة أغراض الساسة، ولطالما قالت أمثولاتهم الشعبية (الغرض .. مرض).

الخرطوم: مقداد خالد
صحيفة الصيحة