النيلين
تحقيقات وتقارير

معاش الناس .. مواجهة للتحديات وتلبية للتطلعات

احتوت الوثيقة الوطنية لمؤتمر الحوار الوطني، العديد من التوصيات الاقتصادية وتصدرت قضية معاش الناس قائمة الاصلاحات الاقتصادية التى نادت بها كل الأحزاب السياسية، ليتفقوا على رؤية اقتصادية حثت على ضرورة زيادة الإنتاج والإنتاجية والاستفادة من موارد السودان الطبيعية والحيوانية والسمكية والمعدنية، إلى جانب ضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والمالية وذلك لمواجهة تحديات استقرار الاقتصاد بالبلاد.

وعقب قرار رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان، استبشر الجميع بتحسن الأوضاع الاقتصادية ؛ إلا ان عددا من الخبراء الاقتصاديين دعوا الدولة لإتخاذ بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية العاجلة لتحقيق الأثر الايجابي لرفع العقوبات على المدى الطويل، وقللوا من تأثيرها على الاقتصاد بشكل فوري ودعوا لعدم الإفراط في التفاؤل بالأثر الإيجابي الذي قد يترتب عليهما في المدى القريب، وأجمعوا على أن الافراط في التفاؤل لقرار رفع العقوبات سيؤدي إلى صدمة كبرى وانتكاسة وتأثير سلبي على المواطنين، وسيصطدم القرار بعقبة عدم استقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السوداني، وضعف الإنتاج والاقتصاد السوداني الكلي، بما يواجهه من عجز كبير في ميزان الصادرات، وذهب الخبراء الى ضرورة اتخاذ الحكومة حزمة إجراءات سريعة وعاجلة، لخفض أسعار سعر صرف الدولار، لضمان استقرار سعره، وقفل الباب أمام المضاربين وبث الطمأنينة لدى المستثمرين والجهات التي تراقب في الخارج بجدية وجدوى قرار رفع العقوبات.

الخبير الاقتصادي حسن أحمد طه أكد أن رفع العقوبات الاقتصادية لا يعني وصول تدفقات نقدية ورأسمالية فورية للبلاد، وطالب بضرورة العمل الجاد لتقوية البنية الإقتصادية من خلال دعم القطاعات الانتاجية.

وطالب وزير المالية السوداني الأسبق، د.عبدالرحيم حمدي، الحكومة بأن تكون واقعية وصادقة مع نفسها وشعبها، لأن سعر الصرف لن ينخفض إلا بزيادة الإنتاج والإنتاجية، وتقديم تسهيلات حكومية لعمل حقيقي وواقعي، وأن الحل يكمن في تحرير سعر العملة وعدم التدخل الحكومي في سعر الدولار.
لكل هذه الأسباب مجتمعة استعانت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في إعداد موازنة العام 2018 بعدد من الخبراء والاقتصاديين الأكفاء لحل معضلة الاقتصاد السوداني والخروج بميزانية تحقق الاستقرار الاقتصادي بمعدلات نمو موجبة بزيادة الإنتاج في كل القطاعات ،وخفض حدة الفقر من خلال عدالة توزيع الدخول وزيادة فرص التشغيل .

واستهدفت الميزانية تحقيق معدل نمو 4% وتخفيض متوسط معدل التضخم من 34.1% إلى 19.5% وخفض عرض النقود من 45.6% إلى 18.1% ، بالرغم من تقدير عجز الموازنة بمبلغ 28.4 مليار جنيه بنسبة 2.4 % من الناتج المحلي الإجمالي.

و فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالية المصاحبة للميزانية في مجال التنمية الاجتماعية ومعاش المواطن أكدت الميزانية تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية لمناصرة الشرائح الضعيفة والمرأة والطفل بزيادة دعم عدد الأسر الفقيرة من 700 ألف اسرة إلى 800 ألف أسرة والاستمرار في تنفيذ التغطية الشاملة للتأمين الصحي بزيادة عدد الأسر المستهدفة بمليون أسرة ودعم الشرائح الضعيفة في التعليم والصحة والمياه، و تعزيز رعاية وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة والاستمرار في دعم الأدوية المنقذة للحياة ودعم العمليات بالمستشفيات وتوطين العلاج بالداخل بالإضافة لدعم المراكز الصحية المتخصصة للكلى والقلب والسرطان.

وفي مجال تحسين معاش المواطنين والحد من الفقر ومحاربة العطالة حملت الميزانية بشريات بفتح فرص عمل جديدة لعدد 60 ألف وظيفة بالخدمة المدنية والعسكرية بالإضافة الى زيادة فرص العمل عن طريق التمويل الأصغر وزيادة رأسمال المصارف المتخصصة في التمويل الأصغر وتشجيع التوظيف الذاتي عبر مؤسسة توظيف الخريجين، و إنشاء صندوق تتولاه وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي لتقديم الخدمات المالية وغير المالية بشروط ميسرة لمساعدة الفقراء الناشطين اقتصاديا بالإضافة الى تنظيم هجرة العمالة السودانية والوافدة في إطار فتح فرص العمل للفئات المختلفة، وأكدت الميزانية دعمها للتعليم بتنفيذ برامج محو الامية والاهتمام بتعليم الأساس والاستمرار في دعم مؤسسات التعليم العالي والتعليم التقني.
وجاء قرار وزارة المالية القاضي برفع سعر الدولار الجمركي من 6.9 جنيه إلى 18 جنيهاً ضمن السياسات الاقتصادية الإصلاحية التي شرعتها الدولة والتي تهدف لخفض التضخم واستقرار سعر الصرف، عقب المحاولات الاقتصادية الأخيرة التي قادها البنك المركزي نهاية العام الماضي، لوضع حافز على التحويلات لجذب مدخرات المغتربين، والتي أدت إلى أن يقفز الدولار حينها إلى 15,8، دون أن تحقق هذه السياسة الهدف المطلوب، في وقت تراجعت فيه قيمة الجنيه أمام الدولار، وفي اطار ذلك أدت زيادة سعر الدولار الجمركي إلى ارتفاع هائل في أسعار جميع السلع والمنتجات المحلية و المستوردة.

د. عادل عبد العزيز الفكي أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية أكد أن تعديل سعر العملة الأجنبية مقابل العملة السودانية، تم لأغراض احتساب الجمارك على السلع المستوردة من الخارج، مشيراً إلى أن الرسوم الجمركية غير مفروضة أصلاً على كل السلع، مؤكداً أن أكثر من 30% من السلع التي يتم استيرادها من الخارج معفية من الجمارك، بما فيها المواد الغذائية جميعها، بجانب المعدات الرأسمالية، مثل معدات المصانع وغيرها، ومدخلات الإنتاج للمشاريع الاستثمارية، مبيناً أن هذا القرار يأتي في إطار السياسات التي قدمتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني للمجلس الوطني في إطار موازنة الحكومة للعام 2018، تحوى تخفيضات على العديد من الواردات، بما يعني أن المبلغ الذي سيدفعه المستورد للجمارك سينخفض، وبناء عليه ينخفض سعر السلعة في السوق الداخلي.
وقال عبد العزيز إن القراءة المتمعنة لهذه الإعفاءات والتخفيضات تشير إلى أن المستهلكات والمواد التموينية العادية للمواطن غير متأثرة إطلاقاً بالتعديل الذي تم على قيمة الدولار الجمركي.
وأشار عبد العزيز إلى أن هذه التخفيضات تشمل: إلغاء ضريبة التنمية على الواردات، كل الواردات، والتي بلغت نسبتها 3% تحسب على كل سلعة، بالإضافة إلى إعفاء رسم الوارد «الجمارك» على مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، واستمرار إعفاء الأدوية والكيماويات، وتخفيض الجمارك على الإطارات للعربات الصغيرة من 40% الى 10%. وإعفاء إطارات الشاحنات والبصات واللواري كلياً من الجمارك، بنسبة 40%، وتخفيض الجمارك على اسبيرات العربات من 25% الى 10%، والإعفاء الكامل لوجبات الأطفال ووجبات مرضى السكري، و خفض الجمارك على بطاريات العربات، الحديد المسطح، الملابس الجاهزة، الأحذية، المراوح، الأواني المنزلية، الأدوات الصحية، والصلصة كما تشمل التخفيضات إعفاء الأرز والعدس والفول المصري والخميرة من الضريبة على القيمة المضافة، وهي 17%، مع إعفاء رسوم الإنتاج على السكر المنتج محلياً، وإعفاء السكر الخام من الرسوم الجمركية، مشيرا إلى استمرار دعم الجازولين، ودعم الكهرباء للفئات ذات الاستهلاك البسيط والمتوسط، ورفعها لمستوى التكلفة الحقيقية للفئات الأخرى ذات الاستهلاك العالي وللمؤسسات والهيئات والبعثات الأجنبية.
وزير الدولة بوزارة المالية مجدي يس قال إن المضاربات في سعر الصرف بالسوق الموازي تعد السبب الرئيسي لزيادة الأسعار، وأضاف زيادة الأسعار غير مقبولة لأن البرنامج الخماسي يهدف لتحسين معيشة المواطن، وشدد على عدم وجود مبرر لارتفاع الأسعار من ناحية زيادة الضرائب أو الرسوم أو السياسات المالية التي تتبعها الوزارة، والتي وضعتها في الموازنة. فيما أعلنت وزارة التجارة السودانية، عن فرض إجراءات وضوابط مشددة للرقابة على أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية، وأعلن وزير التجارة حاتم السر، عن تشكيل لجنة اقتصادية لمنع الانفلات أسعار السلع الاستهلاكية، بعد تحريك سعر الدولار إلى 18 جنيها.

علي محمود رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس الوطني أكد أن هناك بعض المراجعات المطلوبة فيما يتعلق بالأسعار والانفلات غير المبرر وضرورة ضبط الأسواق بواسطة الجهات المختصة بمجلس الوزراء وعلى مستوى الولايات. وشددت لجنة الصناعة والتجارة بالمجلس الوطني، على ضرورة إحكام الرقابة على الأسواق، وأكد عبد الله مسار رئيس اللجنة أن السلع التي تأثرت بزيادة الدولار الجمركي سلع محدودة ولا توجد بينها أي سلعة استهلاكية، مبيناً أنه ليس هناك سبب لارتفاع الأسعار في الأسواق، داعياً في الوقت نفسه لتكوين آليات محلية من منظمات المجتمع المدني وحماية المستهلك والأجهزة الرقابية للعمل بالأسواق.

وعن الحلول العاجلة لتبعات السياسات الاقتصادية الأخيرة على معاش الناس شدد خبراء اقتصاديين علي أهمية زيادة الانتاج بالقطاعات الحقيقية «الزراعة والصناعة والتعدين» لاستقرار سعر الصرف والتوازن في الميزان التجاري بتقليل الواردات وزيادة الصادرات.
وقال دكتور بابكر محمد التوم مقرر اللجنة الاقتصادية في البرلمان والخبير الاقتصادي، إن من أهداف الموازنة زيادة معدلات النمو وخفض التضخم والبطالة ، مشيرا الي أهمية الاهتمام بالقطاع الزراعي والصناعي وإتاحة الفرص للقطاع الخاص وايجاد فرص للعمل وخفض البطالة، مشيرا الي أن زيادة الدولار الجمركي الهدف منها زيادة الصادر وتقليل الوارد.
وأوضح إن أهم صفات موازنة 2018م أنها أعفت المدخلات الزراعية والصناعية والنقل من الرسوم والضرائب وزيادة رأس مال بنك الادخار لتمويل القطاع الزراعي والصناعي ، والجهود في دعم فئات المجتمع إضافة لمجهودات الزكاة.

ودعا دكتور محمد الناير الاستاذ بجامعة المغتربين والخبير الاقتصادي ، الدولة وكل الجهات المختصة بتوجيه جهودها في كل المواقع لتوفير السلع الضرورية للمواطن وتثبيت أسعارها ، مشيرا الي أن إستقرار سعر الصرف لا يأتي الا بزيادة الانتاج والانتاجية وتقليل الواردات وزيادة الصادرات. ودعا الي تحفيز المغتربين لتحويل مدخراتهم وإنشاء بورصة للذهب والمعادن وترشيد الانفاق العام والقضاء علي كافة أشكال الفساد ،وإعادة النظر في التحرير الاقتصادي وذلك بضبط الاسعار،وأشار الي أهمية جذب المزيد من القروض والمنح لدعم الاقتصاد.

وفي إطار زيادة الاحتياطي من العملة الأجنبية قام بنك السودان المركزي باصدار عدد من السياسات حيث وجه محافظ البنك بالإستمرار في شراء المنتج من الذهب وبأسعار مجزية، كما تنازل البنك عن نسبة 25% من حصائل الصادر، وذلك ضمن سياسة توجه الدولة بافساح المجال للقطاع الخاص وتعظيم دوره في توفير السلع الضرورية والاستراتيجية، ولدعم موارد المصارف، تنازل البنك عن نسبة ال 25%من حصائل الصادر التي كان يتم بيعها لبنك السودان المركزي،

ووجه بنك السودان المركزي المصارف باستغلال هذه النسبة وفقاً لأوجه استخدامات النقد الأجنبي التي حددتها الضوابط الصادرة من بنك السودان المركزي، كما سمح لكافة المصارف بالدخول في عمليات استيراد سلعة القمح بكافة طرق الدفع وبتسهيلات في السداد، وسمح للمصارف ايضاً بتمويل عمليات استيراد القمح بالعملة الأجنبية.

وفي ظل السياسات الاقتصادية والتي قصدت بها الدولة المزيد من الاصلاحات لتحسين معاش الناس ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي بالبلاد. فإن الشغل الشاغل لمؤسسة الرئاسة، ودعمها المستمر للقضايا المعيشية دليل واضح على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات كبيرة في هذا المجال، فلا زال المواطن يتطلع لرؤية نتائج التوصيات التي دفع بها مؤتمر الحوار الوطني والآمال لازالت معقودة على تحسين الواقع الاقتصادي إلى آفاق أوسع.

الصحافة.

شارك الموضوع :

اترك تعليقا