بدايتها وكأنها مصنوعة للتعامل مع الأزمات والانتصار.. لكن كيف يمكنها التعاطي مع التراجع الحالي؟

معارك السلطة.. منذ صعودها بدت الإنقاذ وكأنها مصنوعة للتعامل مع الأزمات والانتصار في نهاية المطاف.. لكن كيف يمكنها التعاطي مع التراجع الحالي؟
خلال مخاطبته المؤتمر السنوي لقوات الدفاع الشعبي بالخرطوم، توعد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بضرب الفساد بيد من حديد، الرئيس تحدث عن التحديات التي تواجهها البلاد وهو أمر يتطلب توفير مجموعة من الكتائب للردع تأتي علي رأسها كتيبة الإنتاج، ومعها كتيبة لردع من يحاولون هزيمة الشعب السوداني نفسياً إلكترونياً وذلك بغية الحفاظ على تماسك الشعب السوداني وحفظ استقرار البلاد التي يتربص بها الأعداء.
لا تبدو معارك الحكومة هي فقط تلك التي تحدث عنها الرئيس أمام قوات الدفاع الشعبي في الأسبوع الفائت، فقد كان النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء القومي الفريق أول بكري حسن صالح يتابع بنفسه ما يحدث في الأسواق ويتابع استراتيجية حكومته لتخفيف العبء عن مواطنيها عبر أسواق البيع المخفض، وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس يعلن حربه على الفساد سبقه نائبه الأول معلناً الحرب على الغلاء في الأسواق.
(1)
لا تبدو فلسفة خوض المعارك أمرا جديدا على الإنقاذ فهي قد اعتادت مثل هذا السلوك منذ تسعينيات القرن الماضي.. السلطة التي دشنت مشروعها بهتاف (أمريكا روسيا قد دنا عذابها) كانت تعلم أن الاستمرار فيه يعني أن تخوض معاركك وأن تنتصر فيها، معارك في كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً وعلى كل المستويات سياسياً واقتصاديا وعسكرياً.
يقول البعض أن تستمر الإنقاذ بكل هذه المعارك لمدة 28 عاماً فالأمر يحسب لها ويؤكد على صدق مقولة قياداتها فشلت كل محاولات إسقاط الإنقاذ وبالطبع انتصرت على كل محاولات التركيع، ربما ما يؤكد على هذا الأمر هو التصريح الأخير لوزير الصناعة من المؤتمر الشعبي موسى كرامة وهو يتحدث عن عشرة أشخاص قال إنهم من يتحكمون في الدولار وفي اقتصاد البلد إلا أن وجود هؤلاء في وقت سابق كان أحد العوامل التي ساهمت في تثبيت أركان الحكومة.
(2)
ذلك أوان قد انتهى, الجديد هو أن بداية العام 2018 بدت على درجة كبيرة من الصعوبة في ما يتعلق باستمرارية الإنقاذ في عام المعارك، فهي مطالبة الآن بخوض عدة معارك في الوقت ذاته وهو ما يجعل السؤال الحاضر هو: كيف يمكنها التغلب على متاعب بداية العام؟ والتي جاءت في أعقاب إعلان الميزانية الجديدة بعجزها الذي لم تفلح محاولات المعالجة عبر زيادة الضرائب ورفع قيمة الدولار الجمركي في إيجاد معالجة له، وهو ما يؤكد أن معركة الحكومة الحالية هي معركة اقتصادية في المقام الأول، وأنه لا حلول لها ما لم تأت بسياسات تنجح في وقف الانهيار المتتابع للواقع الاقتصادي في البلاد حيث تعاني شحاً في الموارد الخاصة بالنقد الأجنبي وارتفاعا جنونيا في أسعار السلع الرئيسة.
(3)
المعركة اقتصادية فهي في الحال معركة تتعلق بتراجع قيمة العملة السودانية في مقابل الدولار الأمريكي وهو تراجع بدا ماثلاً في خروج صحف يومية وهي تبشر بان الدولار يتراجع لتصبح قيمته (38) جنيها وهو في ذات اليوم الذي أعلن فيه بنك السودان سعرا تأشيريا بقيمة 30 جنيها للدولار وهو الأمر الذي سيقود مباشرة لارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية التي بدأت حين اضطرت الحكومة لتحرير سعر القمح وهو ما أنتج ارتفاعا في أسعار الخبز حيث أصبحت الرغيفة بجنيه وهو أمر لا يبدو أنه سيتوقف في هذه المحطة باعترافات برلمانيين توقعوا أن يصل سعر الرغيفة لجنيهين ونصف الجنيه كمؤشر آخر من مؤشرات الانهيار التي بدأ البعض يتداولها مقرونة بوصول التضخم لأرقام قياسية استدعت التبوء ببروز الحالة الزيمبابوية والصومالية في الاقتصاد السوداني.
كل هذه العوامل تؤكد على أن المعركة الرئيسة هي معركة الاقتصاد التي تحاول الحكومة امتصاصها عبر مجموعة من الإجراءات يقلل الكثيرون في نجاحها في تحقيق المطلوب وهو ما يقودهم لتأكيد فرضية أن التراجع الاقتصادي المتسارع من شأنه أن يضع النهاية للحكومة ما لم تتخذ إجراءات مواجهته.
(4)
كانت الازمة الاقتصادية محركاً لحالة احتجاجات ابتدرتها قوى المعارضة حين دعا الحزب الشيوعي جماهير ولاية الخرطوم للخروج في مسيرة تندد بالغلاء.. المسيرة التي رفضت الحكومة أن تمنح الحزب تصديقاً لها قامت لتفتح باب جديد للمواجهة بين الحكومة والمعارضة.. ما ابتدره الشيوعي كان يأخذ فيه حزب الأمة زمام المبادرة حيث دعا لمسيرة مماثلة في أم درمان وتحديداً في ميدان الأهلية قبل أن تكون مدينة بحري مسرحا لحركة المعارضة في المرة الثالثة انتهت المسيرات الثلاث لتجديد المواجهة بين الحكومة ومعارضيها حيث قامت الأخيرة بتوقيف معظم قيادات القوى السياسية المعارضة من أجل قطع الطريق أمام مزيد من التصعيد وهو ما جعل المعارضة تواصل عبر القول بأن القيادات البديلة أمسكت بزمام المبادرة وستواصل معركتها ضد الحكومة من أجل الخلاص.
لا تبدو معركة الحكومة والمعارضة معركة مخيفة بالنسبة للسلطة التي خبرت كيفية التعاطي مع المعارضة وهي تجيد استخدام لعبة التعويل على ضعفها وعلى حالة التباين ما بينها والجماهير.. المعارضة بحسب ألسنة حكومية متعددة تبدو أضعف من أن تغير قناعات الشعب في ما يتعلق بقدرة الإنقاذ علي توفير قيمة الاستقرار والأمن.
(5)
ما بدا مفارقة هو أن الإنقاذ وفي قمة معاركها على مستوى الداخل بدت وكأنها في مأمن من التحركات ذات البعد الدولي في جانبه الأمريكي والأوروبي فباستثناء بيان من الاتحاد الأوروبي بدأ وكأنه يأتي بحكم العادة ولتجاوز الحرج طالب فيه الحكومة بضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات واطلاق سراح المعتقلين بدا وكأن الأمور بين الخرطوم والاتحاد الأوروبي في أفضل أوضاعها وأن الأول ليس مضطراً لأن يرمي بثقله في معركة تبدو ظاهرياً محسومة بنسبة كبيرة للحكومة في معركتها مع الداخل وتأكيداً على أن الأوروبيين والأمريكان يتعاملون بأقصى حدود الواقعية في ما يتعلق بالمسألة السودانية. وما يؤكد على هذا الأمر هو الحراك الأمريكي الأوروبي المحموم في سبيل السعي لإنجاح المفاوضات التي تجري الآن في أديس بين الحكومة وقطاع الشمال من جانب وبينها وحركات دارفور في جوانب أخرى، وبالطبع لا يعني ذلك إهمال ما يجري الآن بين الخرطوم وجوبا من أجل معالجة القضايا العالقة بينهما.. في هذا السياق فإن معركة الوصول إلى تسوية في جولة المفاوضات تبدو أحد المطلوبات التي على حكومة الخرطوم إنجازها.
(6)
في ظل هذه المعارك التي تخوضها الحكومة الآن بغية تحقيق الاستقرار والحفاظ على تماسك الداخل هناك سؤال محوري يلوح في الأفق، متعلق بطبيعة العلاقة بينها والشعب وهي المعادلة التي يتم وضعها في سياق حالة الرضا والرفض لأي مدى يمكن القول إن الشعب ينظر بعين الرضاء لما يجري حوله؟ بالطبع الإجابة عن هذا السؤال تبدو في ارتفاع نبرات الاحتجاج على ما يجري وهي النبرة التي ترتبط وعدم قدرة الكثيرين على الحصول على حاجياتهم الرئيسة من السوق مع بروز حالة من التفاوت الطبقي بين مكونات المجتمع السوداني. هذه الحالة بالنسبة للكثيرين تمثل أكبر المهددات لاستمرار السلطة التي قال عنها زعيم حزب الأمة القومي الامام الصادق المهدي: (ليس هناك شخص عاقل مع استمرار هذه الحكومة).. عبارة الزعيم المعارض ربما تعيد فلسفة السؤال الحاضر حول (البديل) في إشارة لمعادلة الصراع بين الحكومة والمعارضة التي تتداخل بالطبع مع نظرية (تجريب المجرب).
على كل فإن الأمر وعند وصوله إلى نقطة معينة سيتجاوز كافة الأسئلة إلى سؤال رئيس هو: كيف يمكن العيش في ظل هذه الظروف؟
اليوم التالي.






