النيلين
جعفر عباس

أنا مع الطب(الحكومي)

قلت قبل أيام هنا، إن حالة الجفاف التي أصابت بريدي الإلكتروني جعلتني »معقدا«: هل انصرف أصدقائي عني؟ لماذا لا أجد طوال عام كامل رسالة من قارئ، ولو لعن فيها »خاشي«؟ ثم فوجئت قبل يومين بوصول رسالة تنضح ألمًا من أم مكلومة، وليس من عادتي تبني شكاوى القراء، لأن الموضوعية تتطلب إفساح المجال للطرف المشتكى منه أو عليه، فالرسائل قد تأتي من بلاد لم أزرها من قبل، أو ليس من سبيل للاستوثاق من صحة محتواها إذا تضمنت شكوى ضد طرف.

ولكن كل كلمة في رسالة تلك السيدة كانت تنضح صدقا مفجعا، فقررت الخروج عن مألوف هذه الزاوية ونشر ملخص لها: البداية كانت سعيدة فقد تأكد لها انها حامل، وبحرص الأم الغريزي لجأت إلى مستشفى خاص، حيث كان نصيبها طبيبة عربية مسلمة، ما جعلها تطمئن بأن جنينها سيلقى الرعاية السليمة، وفي الشهر الثالث من الحمل أبلغتها الطبيبة أنها تعاني من قصر عنق الرحم، مما قد تنجم عنه ولادة مبكرة أو إسقاط الجنين، »ما لم تلزمي الراحة التامة«، ولأن المؤمن صديق، فقد لزمت السيدة الراحة التامة، كي تضمن بلوغ الجنين نموه الكامل بلا متاعب.

وفي الشهر السادس من الحمل أحست بآلام مبرحة ولجأت إلى مستشفى »حكومي«، فقالوا لها إن رحمها مفتوح، وإنه يتعذر ربطه، لأن عنق الرحم يصبح أقل طولا مع نمو الجنين، وانه كان من المفترض ان يتم ربط الرحم وهي حامل في شهرها الثالث على أبعد مدى. وبعد نزول ماء الجنين لم يكن من بد سوى توليدها بعملية جراحية، ورزقت بولد ما زال منذ يوم مولده قبل عدة أشهر نزيل حاضنة طبية، لأنه يعاني من ثقب في القلب ونزف بالرئة وخلل في وظائف الدماغ، قيل لها انه قد يكون ناجما عن أدوية تعاطتها في الأشهر الأولى للحمل.

ما أقسى أن يكون لك طفل تنظر اليه كل ساعة وتتساءل: هل سيعيش ساعة أخرى؟ طبعا كلنا لا نعرف ما إذا كنا سنعيش ساعة أو حتى دقيقة إضافية، ولكن الشخص المعافى لا يطرح سؤال الموت والحياة على نفسه على مدار اليوم.

يا سيدتي أقول لك عن تجربة إنني أصدق طبيبا في مستشفى حكومي يقول لي ان الحساسية التي أعاني منها ستزول إذا استأصلت أنفي بالكامل، أكثر من كلام طبيب في بقالة طبية بأن أقراص الكلاريتين ستخفف من وطأة الحساسية! طبعا من الظلم تعميم الكلام عن المستشفيات والعيادات الخاصة، فبعضها يعمل في ظل ضوابط أخلاقية عالية، ولكن بعضا منها يعمل بطريقة »كومار« البقال، فكلما دخلت عنده لأشتري جريدة يقول: ما يريد كُبُس )خبز(؟ مع أنه لم يحدث قط ان اشتريت منه خبزا، وإذا قلت له ذلك، سألني: تيِّب ما يريد روب؟ بتري؟ )ابتسم كلما حدثني هندي في بقالة عن بتري أي بطارية لأن الكلمة في لغتي الأم »النوبية« تعني اللعب، فأحسبه لثوان قليلة يدعوني إلى اللعب(

بعض أطباء البقالات تشتكي عندهم من تساقط الشعر فيطلب منك فحص البول والفسحة والتصوير بالموجات الصوتية ويكتب لك تشكيلة من الأدوية: مضادات حيوية على مضادات حموضة على مضادات الهستامين على مُدِر للبول على فيتامينات على حبوب فحم للغازات وبخاخ للربو. وستجد تلك الأدوية في الصيدلية الملحقة بالعيادة أو المستشفى.

وقبل سنوات قليلة سافرت بزوجتي إلى بريطانيا، لكشف علة تجعلها تعاني من آلام في الرقبة، وقرر جراح يدير بقالة طبية خاصة في مدينة خارج لندن، أن مشاكلها ستزول باستئصال ضلع زائد في أعلى رقبتها )كل النساء ناقصات ضلع وأنا نصيبي واحدة بضلع زائد( فهرعت بها إلى مستشفيات حكومية في الخليج وقال ثلاثة جراحين ان الجراح البريطاني بلطجي كان يريد فقط أن »يذبح« زوجتي نظير بضعة آلاف من الاسترلينيات. خليكِ مع الحكومة أحسن يا سيدتي. مستشفياتها مبهدلة ولكنهم لا يضحكون عليك من أجل مالك.

زاوية غائمة
جعفـر عبــاس

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.