عالمية

“الإرهاب” العائلي في إندونيسيا.. من يوظفه؟

الجديد كليا في سلسلة تفجيرات مدينة سورابايا الإندونيسية، وربما تاريخ العنف البشري، أن تنفذ عائلة بأكملها التفجير الانتحاري، واستهداف مواقع دأبت التنظيمات المسلحة على استهدافها مثل الكنائس ومراكز الشرطة. وهو ما يثير الاستهجان والالتباس في فهم دوافع هذه العائلات على التفجير الانتحاري الجماعي، وفي وقت متزامن تقريبا (خلال أقل من يومين) بين ثلاث عائلات، ومن قد يوظف مثل هذه الأحداث.

بمقتل العائلات التي نفذت سلسلة التفجيرات يومي 13 و14 مايو/أيار الجاري، يصعب تفسير دوافع المنفذين، بسَوق زوجاتهم وأطفالهم إلى حتفهم بالطريقة القاسية التي أقدموا عليها. لكن تتبع أحداث سابقة وسياقات ما يجري اليوم يمكّن من قراءة أقرب للمشهد.

عائلات انتحارية
تفجيرات مدينة سورابايا، شهدت ثلاثة أحداث خلال اليومين الماضيين، الأول استهدفت فيه عائلة من أب وزوجته وابنتاه وابناه، ثلاثة كنائس. وحسب القائد العام للشرطة في إندونيسيا تيتو كارنافيان، فإن الزوجة والبنتين (9 و12 عاما) فجروا أنفسهم في الكنيسة الأولى، في حين فجر الولدان نفسيهما بدراجة نارية في الكنيسة الثانية، وفجر الأب نفسه بسيارة في الكنيسة الثالثة. وحصدت الانفجارات الثلاثة 14 قتيلا و41 جريحا.

وبعد ساعات قليلة من تفجيرات الكنائس، انفجرت عبوة ناسفة في عائلة من ستة أشخاص كانوا، حسب ما أوردت صحيفة “جاكرتا بوست” نقلا عن قائد شرطة جاوة الشرقية محفوظ عارفين، يجهزون القنبلة لتفجيرها في أهداف لا تزال مجهولة. وأن رب الأسرة يدعى أنتون فيبريانتو (47 عاما) وزوجته بالعمر نفسه، وأربعة أطفال أعمارهم 17، و15 و11 و10 أعوام.

أما التفجير الثالث، الذي استهدف اليوم مركزا للشرطة في قلب مدينة سورابايا، فقد نفذته عائلة من خمسة أشخاص على دراجتين ناريتين، على مدخل المركز، ويوضح مقطع فيديو من تسجيلات كاميرا المراقبة في المركز أن الطفلة (8 سنوات) أصيبت ولم تقتل، ونقلت إلى المستشفى للعلاج. وجرح في التفجير عشرة أشخاص من ضمنهم عناصر من الشرطة.

التاريخ القريب
التفجيرات الانتحارية ليست جديدة على المشهد الإندونيسي، خصوصا بعد سقوط نظام سوهارتو عام 1997، الذي كان نظاما عسكريا ذا قبضة حديدية، وإن كان ظاهره ديمقراطيا يسمح بأحزاب محدودة للعمل السياسي والتنافس في الانتخابات.

ومع ارتخاء قبضة الجيش على الحياة العامة في إندونيسيا، دخلت البلاد في مرحلة انفلات أمني، بعضها نتيجة تفاعلات الحريات الحديثة والبحث عن مواقع نفوذ، سواء عرقي أو طائفي أو حزبي، وبين أحداث موجهة ومسخرة لخدمة مصالح قوى متنفذة أو للضغط على أصحاب السلطة.

وكانت فترة حكم الرئيس الراحل عبد الرحمن واحد من أكثر الفترات توترا ودموية بكافة أشكال العنف، سواء الطائفية المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين كما هو الحال في جزر مولوكا وسولاويسي وشمال سومطرا، أو تلك التي اندلعت بين العرقيات المختلفة كما هو الحال في بورنيو، فضلا عن الصراع بين الحكومة والحركات الانفصالية في بعض الأقاليم الإندونيسية مثل آتشه وإيريان جايا. لكن أحداث العنف امتدت لتشمل مناطق كثيرة وحيوية من بينها العاصمة جاكرتا وجزيرة جاوة أكبر وأهم جزر الأرخبيل الإندونيسي.

حاول واحد، باعتباره أول رئيس ينتخب ديمقراطيا بعد سقوط نظام سوهارتو، أن يحجم نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، فاندلعت سلسلة الأزمات والصراعات الدامية على امتداد الجغرافيا الإندونيسية، ومن ضمنها العنف بين المسلمين والمسيحيين في جزر الملوك عام 2002 و2003.

طفت على السطح في تلك الصدامات جماعة “لشكر جهاد” التي كان يقودها الشاب جعفر عمر طالب، الذي كان يحرض الشباب على الالتحاق بجزر الملوك والدفاع عن المسلمين واستهداف المسيحيين، وكان التحريض علنيا وصريحا، دون أن يعترض طريقه أحد. إلى أن تمت تنحية عبد الرحمن واحد بقرار من البرلمان، وخلفته نائبته ميغاواتي سوكارنو بوتري. حينها توقفت كافة الصدامات وكأن شيئا لم يكن، وتم حل لشكر جهاد دون أي عقوبة قضائية.

توظيف سياسي
فمؤسسات متنفذة في البلاد قد تلجأ أحيانا إلى توتير الأجواء لخدمة هدف سياسي. واليوم تنتشر قناعة أو شكوك على الأقل، أن توقيت سلسلة التفجيرات قبيل بدء تحضير الأحزاب للانتخابات القادمة منتصف العام القادم يشي باستهداف المناخ الانتخابي.

وقال مسؤول حزبي إندونيسي للجزيرة نت إنه من المتوقع أن يستمر هذا النوع من التفجيرات وأعمال العنف خلال الفترة القادمة لخلق أجواء أمنية قلقة، ورأي عام سلبي تجاه التيار الإسلامي بعمومه.

ويضيف المصدر -الذي فضل عدم الكشف عن هويته- أن “استمرار أعمال العنف قد يساعد في فرض حالة الطوارئ في البلاد، وهو ما سيعيق إجراء الانتخابات القادمة، لكن يبدو أن الرأي العام ليس مهيأ لمثل هذه الخطوة”.

وفي تصريح له دلالته بخصوص الجدل حول إقرار قانون مكافحة الإرهاب، قال رئيس البرلمان الإندونيسي بامبنغ سوساتيو إن تأخير إقرار القانون يرجع إلى موقف الحكومة، “لو وافقت الحكومة على تعريف الإرهاب، لأمكننا إقرار القانون في الجلسة القادمة”. بما يعني أن الحكومة غير متحمسة لوضع ضوابط وتقنين عمليات مكافحة الإرهاب في الوقت الراهن، وترك هامش أوسع أمام المؤسسات التنفيذية لاختيار آلية وحدود عمليات مكافحة الإرهاب.

خلاصة القول أن سلسلة تفجيرات سورابايا بأيدي عائلات كاملة، وبشكل متقارب زمنيا، لا تبدو عفوية أو مصادفة، وحتى لو كان لهذه العائلات أو أربابها علاقة بتنظيم “أنصار دولة الخلافة” أو غيره من التنظيمات المسلحة، فإن سياق الأحداث يشير إلى أطراف ما توظف الحالة النفسية والفكرية لهؤلاء الأشخاص لتحقيق أهداف سياسية.

المصدر : الجزيرة