النيلين
جعفر عباس

خواطر حول الدرس واللبس


الفرق بين أبناء وبنات جيلنا وعيالنا، هو أننا وبحكم ظروف التنشئة »الصعبة« بمعايير هذا الزمان، أقوى عودا وأكثر استعدادا لتقبل تقلبات وقسوة الظروف الحياتية، فعلى سبيل المثال كان عليَّ وعمري نحو 11 سنة أن أغسل ملابسي بنفسي وأن أتعلم كيفية استخدام إبرة الخياطة، لرتق ملابسي، ذلك أنني عشت في مساكن ملحقة بالمدارس »نسميها في السودان داخليات«، منذ المرحلة المتوسطة وإلى أن أكملت تعليمي الجامعي، وهكذا صرت »أسطى« في كي الملابس، وتعلمت من كل ذلك أن أعتمد على نفسي في أمور كثيرة، وقبلها كنت أسير إلى المدرسة الابتدائية على قدمي نحو ساعة ذهابا وإيابا، في الحر والقر، وهناك من أصدقائي الخليجيين من اضطر إلى العيش في بلد مجاور عدة سنوات بعيدا عن بيت العائلة لتلقي التعليم الأساسي.
)شخصيا أحبذ أن يتلقى الإنسان التعليم الجامعي في بيئة جامعيةـ وليس منزلية لأنه كلما تلقى الشاب دراسته الجامعية وهو غير مقيم في بيت العائلة، ساعده ذلك لاحقا على التعايش مع أناس خلفياتهم الاجتماعية والثقافية مختلفة، فالكثير من جامعاتنا المحلية لا تختلف في أنظمتها عن المدارس لكونها لا توفر حياة جامعية من حيث الأنشطة العامة، ويقتصر دورها على الدروس وبانتهاء المحاضرات كل حي يروح لحاله وتغلق الأبواب(.
وبالمقابل فإن بين جيل الشباب الحالي من يصاب عيالي بحالات من الاضطراب إذا لم تكن في البيت خادمة تجهز كل شيء، بل إن بعضهم بلغ درجة من التنبلة صار فيها يصيح للخادمة: جيبي موية/ ماي!! وشخص لا يكلف نفسه عناء الوصول إلى الثلاجة لتناول حاجته من الماء، لن ينجح في الحياة العملية ما لم يكن لديه كتيبة من الفراشين هذا لفتح الشباك، وذاك لتحضير الشاي، وثالث للضغط على ماوس الكمبيوتر لفتح صفحة جديدة.
وأعرف شبّانا سودانيين كثيرين نشأوا في منطقة الخليج في بيئة رفاهية، وأرسلهم أهلهم للدراسة الجامعية في الخارج، ويعود الواحد منهم في الإجازات الصيفية حاملا ثلاث حقائب من الصنف الـ»إكس لارج«، القابلة للانفجار، وعند فتحها فور وصوله البيت تسبب التهابات الجيوب الأنفية لأفراد أسرته، لأنها ممتلئة بملابس متسخة ظل صاحبنا يراكمها عدة أشهر، وأتى بها في الإجازة لتخضع للغسل والكي.
عندما التحقت بالعمل في شركة أرامكو وتعاملت لأول مرة مع »الآلاف« في دنيا المال، كان لي زميل في المسكن يقوم في نهاية كل أسبوع بالتخلص من قطع الملابس التي ارتداها طوال الأسبوع المنقضي، بمعنى أن كل قطعة ملابس متسخة كان مصيرها الإعدام، لتحل محلها ملابس جديدة من الوكالة، ولم يكن صاحبي »مفتريا«، بل مجرد شخص كسول عاش جميع سنوات دراسته في بيت العائلة ولم يعتد على غسل وكي ملابسه )قطعا هناك الملايين الذين يعيشون مع عائلاتهم حتى ما بعد زواجهم ولكن لديهم مهارات الغسل والكي وحتى الطبخ لأن بيئاتهم المنزلية تعلمهم الاعتماد على النفس(.
وقد التقيت في عواصم أجنبية بطلاب عرب تدل هيئاتهم على أنهم نجوا من زلازل وبراكين: ملابس متسخة بل وممزقة، ووجوه شاحبة، فتحسب أنهم من مستحقي الزكاة، ولكنك تكتشف أن الواحد منهم يتلقى شهريا مبلغا يساوي دخل رب أسرة تتألف من ستة أشخاص، ولكنه ينفق المبلغ بأكمله على الوجبات الجاهزة، ولأنه لم يعتد على غسل ملابسه أو حتى أخذها إلى المغسلة فإنه يتحول إلى شخص مبهدل بل ومقرف.
ولجيل كامل من شبابنا أزف البشرى: قميص واحد يكفي وهو من إنتاج كلية المنسوجات والملابس في جامعة هونج كونج ومن ابتكار وليد داوود )جماعتنا لا يبدعون إلا بعد أن يفارقونا( وزميله جون زن، وهو عبارة عن قماش مكسو بطبقة رقيقة من ثاني أوكسيد التيتانيوم التي وعند التعرض للشمس، تتفاعل جزيئاتها مع الأوكسجين ويتولد عن ذلك عامل أكسدة، يقوم بتفتيت الأوساخ فلا تحتاج إلى غسل القميص أو البنطلون مدى الحياة! وهكذا وبدلا من إلقاء الملابس المتسخة في الزبالة أو تخزينها إلى أن يفرجها ربنا، سافروا يا شباب إلى هونج كونج حيث قميص وبنطلون واحد يكفي.

زاوية غائمة – جعفـر عبـاس

شارك الموضوع :

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.