دروس في إدارة الكاش ببلاش

أهم شيء كسبته من العيش في لندن، وخسرت فيه معركة في حرب صدام الحضارات، هو عدم النوم بعد الغداء، وهو أمر تفرضه عليك طبيعة العمل والحياة هناك، فموعد تلك الوجبة يحل أثناء ساعات العمل الرسمية، وعندك ساعة واحدة تطفح فيها ما يتيسر لك من طعام، لتعود إلى العمل مرة أخرى، ومن ثم فالوجبة الرئيسة في بريطانيا هي الـ »دينر«، أي العشاء الذي يكون عادة في أول المساء، وليس مثلنا نؤجله ونؤخره، ثم نحشو بطوننا بعد التاسعة مساء، وعندما نذهب إلى الفراش، تدهسنا الأفيال وتنهش لحومنا الذئاب، لأن النوم بمعدة ممتلئة يسبب الكوابيس. وكثيرا ما فاتني تناول العشاء مع عيالي في البيت، لأن توزيع جدول المناوبات/ الورديات في بي بي سي كان يعني ان أعمل في بعض الأيام حتى ساعات متأخرة من الليل.

في السودان لا تحلو وجبة الفطور للعاملين في أي قطاع إلا خلال ساعات العمل، ومن المألوف جدا أن تذهب إلى مكتب للخدمات الحكومية فلا تجد فيه أحدا، لأنهم جميعا إما خرجوا لتناول الفطور في مطعم ما، أو اجتمعوا في مكتب ناء لتناول وجبة جماعية، وبما أنني كنت جزءا من تلك الممارسة، فقد توقفت عن تناول وجبة الإفطار منذ ان غادرت السودان، لأنني لم أعد استسيغ تناول تلك الوجبة بمفردي، بل ان كلمة فطور لا تستخدم في بيتنا إلا خلال شهر رمضان، ولما ذهبت إلى لندن عانيت من الجوع كلما عملت في المناوبة/ الوردية الصباحية، ففي الخليج تكفي قطعتان من البسكويت، أو ما يسمونه بقصم ونسميه في السودان قرقوش مع كوب شاي، لإسكات نباح الأمعاء حتى يحين موعد الغداء، قبل الثالثة عصرا، أما في لندن فمع لسعات البرد كنت أحس بالجوع بحلول العاشرة صباحا، ولا أجد ما آكله لأن الجميع لا يغادرون بيوتهم من دون تناول وجبة الإفطار، وهكذا صرت أغادر البيت كل صباح حاملا معي سندويتشات صناعة منزلية )في السودان قررت حكومتنا ذات عام عدم اتباع توقيت غرينتش، وطبقت ما اسمته بالبكور وجعلت الفارق بين البلاد وغرينتش ساعتين بدلا من ثلاث ساعات، بشكل ثابت ولخبطت وخربطت الساعات البيولوجية للشعب بأكمله وصار الفطور في السودان في منتصف النهار والغداء قبل الغروب بقليل( ولكن أهم شيء تعلمته في لندن هو صحة مقولة a penny saved is a penny earned.

أي أن كل بيني )وجمعها بنس( تدّخره يكون مكسبا وربحا، ومعه مقولة مفادها: خلي بالك من البنسات، والجنيهات ستأخذ بالها من نفسها
Take care of the pennies and the pounds will take care of themselves
بينما يقول حكماؤنا: اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، وهي مقولة عبيطة مثل كثيرات غيرها في أمثالنا الشعبية، ولا قيمة لها سوى في »السجع«، فهي بشكل أو بآخر تشجعك على التبذير بزعم أن الغيب يخبئ لك ثروة طالما يدك »سايبة«.

في لندن عرفت قيمة المليم وليس القرش الأبيض، وأذكر أنني كنت أمنح أكبر أولادي قيمة تذكرة باص شهرية، لأنها أقل كلفة من التذاكر اليومية، وفوجئت بأنه يوفر منها نحو ستة جنيهات، فقد كنا نقيم – بحسب تقسيم مناطق لندن من قبل هيئة النقل- في المنطقة السادسة )زون 6( وكان ولدي يسير على رجليه لنحو عشر دقائق ويستقل الباص من زون 5 ويحصل بهذا على تخفيض في قيمة التذكرة الشهرية، وزوجتي التي كانت )تهزئني( خلال إقامتنا في الخليج، إذا أوقفت سيارتي على بعد 3 دقائق من الجهة التي كانت تقصدها، صارت في لندن تسير على رجليها لعشرين دقيقة محملة بأكياس المشتريات، لأنها لم تكن ترى معنى لبعزقة القروش في المواصلات. بل صارت تتفادى قطارات الأنفاق وتستقل الباصات لأنها أقل كلفة، وبذلك كانت تقطع المشوار الذي يقطعه القطار في ربع ساعة في ساعتين و»ربع«.

جعفـر عباس – زاوية غائمة

Exit mobile version