النيلين
جعفر عباس

الاستمتاع بالنضال ضد الاستعمار

بعد قضاء نحو 18 شهرا في قناة بي بي سي العربية، كرهتها لأن بيئة العمل صارت مسمومة، فقد أتقن بعض العاملين فيها فن البكش والتسلق على أكتاف الآخرين، واتضح ان الخواجات مثل الصبايا »يغرهن الثناء«، فأعلوا شأن بعض المنافقين، وكثر القيل والقال في غرفة الأخبار، ثم اتضح أن الغرض من إنشاء القناة كان هو الربح المادي، لأن بي بي سي ممنوعة من تحقيق مكاسب مالية من بثها المحلي، وجاء البرهان القاطع على ذلك عندما كثرت الخلافات بينها وبين الطرف السعودي الذي اشترى حقوق البث،

وتعالى الهمز واللمز في الصحف البريطانية بأن بي بي سي، قد تضحي باستقلالها التحريري من أجل المال، فقررت إدارة الهيئة التخلص من وجع الرأس باستفزاز الطرف السعودي ببث برنامج منقول عن قناة بي بي سي الأولى المحلية، تم تصويره سرا، ويتهم السعوديين بإساءة معاملة الخادمات الآسيويات والفلبينيات على وجه التحديد، وكان الغرض من الاستفزاز حمل الشريك السعودي على فسخ العقد ودفع غرامة نظير ذلك، وتكون الهيئة بذلك قد حققت مكسبا ماليا. وقد كان: بثت القناة البرنامج فسحب الطرف السعودي القناة من الأثير.

كان توقف القناة يعني تشريد عشرات الصحفيين والفنيين العرب، وبكل صدق أقول إنني لم أحزن لفقد وظيفتي في بي بي سي، وإن كنت في منتهى الغضب لأنني وزملائي أدركنا أن إدارة الهيئة قررت أن تبيعنا نظير الحصول على تعويض مالي كبير، والهيئة لم تخسر مالا أصلا في تجهيز القناة، وكانت رابحة في الحالتين: إذا استمر البث تتقاضى مبلغا متفقا عليه سنويا، وإذا انقطع البث تفوز ببضعة ملايين بينما »رأسمالها« فقط نحن العاملين، و»بالطقاق«، فحتى قبل توقف القناة عن البث كانت صحيفة الاتحاد الإماراتية التي عملت فيها ما بين 1980-88 قد عرضت علي إدارة مكتبها في لندن، الذي كانت وظيفة المدير فيه قد شغرت بإقالة من كان يشغلها، كما أن شركة الاتصالات القطرية التي سبق لي أن توليت فيها شؤون العلاقات العامة والترجمة ظلت تلح علي مرارا أن أعود إليها.

اتصلت بزوجتي في لندن لأبلغها بوفاة قناة بي بي سي، فانطلقت من حنجرتها زغرودة مجلجلة، حتى انقطع الخط الهاتفي، وعاودت الاتصال بها، وقلت لها: لو سمع الجيران زغرودتك سيبلغون الشرطة بأن شخصا ما في بيتنا يعاني من التعذيب، وحاولت رفع معنوياتها وقلت لها »لا تشيلي هَم، عندي عروض عمل سلفا، وإن شاء الله نرجع الخليج عن قريب«، فانطلقت زغرودة ثانية بقوة 9.8 على مقياس ريختر، ثم التقطت أنفاسها وقالت: مش مهم نروح وين، المهم نطلع من البلد الزفت دي، وقطعت الاتصال الهاتفي وأنا أهمهم »يا متخلفة«، ولم أكرر الاتصال بها.

وبينما إدارة بي بي سي، تعد مكافآت نهاية الخدمة لنا، صارت الدنيا مقلوبة، فقد تحركت كل نقابات العاملين في بي بي سي، والاتحاد الوطني للصحفيين البريطانيين )إن يو جيه NUJ( لنصرة الصحفيين العرب الذين تم تشريدهم، وظللت وزملائي لعدة أيام نسد مداخل مباني بي بي سي في تي في هاوس في منطقة وايت سيتي، موزعين المنشورات التي تندد بإدارة القناة، والاستعمار والاستحمار، واجتمع بنا رئيس الهيئة وهو »منصب« له هيبة في بريطانيا تفوق هيبة رئيس الحكومة، فقلنا له إن بي بي سي أخرجت فيلما هنديا من الدرجة الخامسة، و»طلعت رابحة« من الصفقة على حسابنا. وظل الشد والجذب بيننا والإدارة يزداد شراسة، وخاصة أن بعض النقابات التي يسيطر عليها التروتسكيون في بي بي سي )وهم أشرس فصائل اليسار في مناهضة الأنظمة الرأسمالية( رأت أنها معركة بين قوى استعمارية ممثلة في إدارة بي بي سي وشعوب مستضعفة ممثلة في الصحفيين الذين تم تشريدهم، ثم دخل الاتحاد الأوروبي للصحفيين في المعركة لصالحنا، لأن معظمنا كان يتمتع بعضوية اتحاد الصحفيين البريطانيين، وبدأت المساومات حول التعويضات، وكان المناخ ممتعا بالنسبة إلي: ياه أخيرا فرصة أشارك في تظاهرات واحتجاجات من دون التعرض للضرب أو السجن.

 

 

جعفر عباس
زاوية غائمة


شارك الموضوع :

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.