صديق دائم للمهدي.. الأمثال في قاموس الامام

(الحكاية دي ما من الليلة، زي ما بقولوا ما علوقة الشدة، بسموها دخان المرقة، فنحن حكايتنا لا علوق شدة ولا دخان مرقة). كانت هذه آخر توصيفات رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي التي سعى من خلالها لتوضيح موقفهم من الاحتجاجات التي اندلعت في 19 ديسمبر الجاري في عدد من المدن. مؤكداً على أن حزبه حريص على أمرين؛ النهج القومي أولهما والثاني عدم سفك الدماء، مؤكداً أهمية أن تتحول الاحتجاجات العفوية لعمل منظم حتى لا تنفرط الأوضاع في حال عدم الاستجابة للمطالب ويحدث ما لا يحمد عقباه.

انتقادات عنيفة

تصريحات المهدي وجدت انتقادات بعد أن تم إفراغها من خلفيتها وقصرها في تشبيه الاحتجاجات العفوية بـ(دخان المرقة)، وهو ما اعتبره البعض بمثابة انتقاص للحراك، بل أن بعض الناشطين مضوا إلى أبعد من ذلك، مهاجمين المهدي باعتباره مارس عنفاً لفظياً ضد النساء.
غير أن الكاتبة الصحفية رباح الصادق المهدي تذهب في حديثها بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن المثل الذي استشهد به المهدي (ما بتنفع علوقة الشدة وما بنفع دخان الطلعة) نَصّه الأصلي أو المثل الصحيح (بوخة المرقة)، لافتة إلى أن علوقة الشدة هي الصورة القديمة خاصة في المدن؛ حيث الناس تستقل العربات لا الدواب، لكن سواء في المدن أو الريف ما تزال النساء السودانيات يعرفن الدخان فهي صورة لا يمكن وصفها بأنها قديمة بحال. واعتبرت رباح محاولات البعض استهجان أن يتمثل الإمام بأمثال تختزل خبرة نسوية تكشف عن ثقافة ذكورية بالغة ترى الأمثال والأقوال النسوية أمراً مذموماً، في حين أن الأصل في المثل تعبير سوداني بليغ صديق للخبرة الشعبية.

الأمثال ضيف دائم

استخدامات المهدي وتوظيفه للأمثال الشعبية جعلت من تصريحاته بمثابة ضيف دائم للعناوين الرئيسية في الصحف (المانشيت) لجاذبيتها، ومن أبرز تلك العناوين ما قاله المهدي في ذم مزايدة المؤتمر الشعبي عليه بشأن علاقته بالحكومة فقال (الشعبي ساقط وشايل قلمه يصحح)، في إشارة إلى مشاركة الشعبي في العشرية الأولى للإنقاذ بكل تركتها وحمولاتها، فيما استخدم المهدي عبارة “بيضة ديك” في تعليق لاذع على ندوة من ندوات الأحزاب، وهو مثل يقال عن الشيء الذي يحدث لمرة واحدة.
أما عبارة المهدي في أعقاب اتفاق جيبوتي مع الحكومة فقد باتت راسخة في الذهن، “ذهبت لجيبوتي لاصطاد أرنباً ولكن اصطدت فيلاً”..
المهدي الذي يتميز بغزارة الطرح الفكري يعد قارئاً نهماً للشعر والأدب، وله عدة مؤلفات كتب أكثرها في السجن أو المنفى؛ فهو رجل موسوعي الثقافة والاطلاع، وله صبرٌ مدهشٌ على الكتابة والخطابة. ويقول مقربون عنه: “إن المهدي يستغل أي وقت للقراءة أو الكتابة، وأنه كثيراً ما يقرأ أثناء السفر بالسيارة حتى لو كانت تسير بسرعة كبيرة”.
وللمهدي أسلوب مميز في خطبه وأحاديثه، فهو يعتمد على المنهج الرياضي، مما يجعله مرتباً ومنظماً في حديثه، لذلك تأتي أحاديثه على شكل حِزَم رقمية متصلة (أولاً، ثانياً، ثالثاً،…) كما يساعده هذا الأسلوب في التذكر جيداً كـ(خمسة أسباب، ثلاث نقاط، إلخ…).

لماذا الأسلوب؟

القيادي الإعلامي بحزب الأمة محمد الأمين يذهب في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أن أسلاف الصادق سواء الإمام المهدي أو السيد عبد الرحمن؛ درجوا على استخدام هذا الأسلوب في مخاطباتهم أو رسائلهم، لذلك لم يكن غريباً أن يتوسع الصادق المهدي في هذا الأسلوب لا سيما وأن لديه إلمام واسع بالثقافة والتراث السوداني، مما جعله أكثر من يستعمل الأمثال السودانية في الوقت الراهن لتوصيل رسائله السياسية، ويدلل الأمين على ذلك بانتقادات سياسة التعليم العالي غير المدروسة التي انتهجتها الحكومة بتشبيهه: “بمن يحاول أن يُطعم برميل موية بملعقة سكر”، إضافة لدعوته للتسوية السياسية رافضاً مبدأ الانتقام لذاته أو حزبه عبر قوله: “البفش غبينتو بيخرب مدينتو”. كثيرون يصفون استخدام المهدي للأمثال الشعبية بالذكاء لتوصيل فكرته بطريقة مبسطة تتلقفها وسائل الإعلام ويجري تدوالها بسهولة وسط العامة، مما يحقق نجاحاً ورواجاً لأفكار ورسائل المهدي.

استخدامات ورسائل

تتعدد استخدامات الأمثال ووظيفتها سواء لتقريب الفهم ونقل الصورة بفعالية أو لشد الانتباه وشحذ الأفهام فضلاً عن الترويح عن المستمع بعد طول خطاب.
ويرى المحلل السياسي محمد عبد الحميد في حديثه لـ(السوداني) أمس، أن السياسين وعلى رأسهم المهدي يستخدمون الأمثال والتراث الشعبي بل وحتى مقاطع من أغاني رائجة لتقريب الفهم للعامة، وهو نوع من البلاغة لنقل الصور الذهنية بشكل فعَّال وإيصال رسائلهم بسهولة، مؤكداً أنه إذا كان الخطاب أو الحديث مطولاً تكون هناك حاجة للحفاظ على اهتمام المستمعين أو تنشيطهم عبر بعض الأمثال أو الاقتباسات أو النكات التي تصب في خدمة الموضوع”.
ويلفت عبد الحميد إلى أن المهدي السياسي الأول بامتياز في استخدام هذا الأسلوب سواء لتوصيل رسائله أو للرد على منتقديه وخصومه أو للتحدي وإظهار جماهيرية حزبه بـ”الحشاش يملأ شبكتو”، أو لإظهار القوة: “البقابلك متحزم قابلو عريان”، أو حتى لإفشال مخططات الخصوم في رشوة الناخبين: “أكلوا توركم وأدوا زولكم”.

تقرير: القسم السياسي
صحيفة السوداني.

Exit mobile version