النيلين
اقتصاد وأعمال

استقلالية المركزي.. نظرة على المعطيات

بنك السودان المركزي

أعاد حديث لمحافظ بنك السودان المركزي الأسبق، صابر محمد الحسن جدلًا حول استقلالية البنك المركزي القائم على إدارته، وقال إنه يفتقر للاستقلالية، مشيرًا لتضارب قراراته وسياساته والخلل الذي تتسبب فيه على عامة الأداء الاقتصادي.

يحمل حديث المحافظ الأسبق، ملامح من الوجاهة والمنطقية، والثابت أن أداء البنك المركزي بعامة لا يسير في الاتجاه الصحيح، أو هكذا تقول قرائن الأحوال، وإلا ما تراجعت قيمة العملة المحلية للدرك الحضيض التي هي عليه الآن، فقبل عام وبضعة أشهر وبالتحديد حينما تولى إدارته المحافظ الراحل حازم عبد القادر في ديسمبر 2017 كان الدولار يساوي “19” جنيهاً، لكن هذا الرقم تضاعف حتى الآن “4” مرات، وهو ما يمكن أخذه كدليل على خلل ما في سياسات البنك أو هيكله أو أدائه.

*انتقادات متكررة

خلال السنوات القليلة المنصرمة، لم يكن الود عامراً بين البنك المركزي وكثير من الجهات المرتبطة بالاقتصاد، وما يزال الحنق على سياساته ماثلاً من شرائح متعددة، كالمغتربين على سبيل المثال، كما لم تخف الانتقادات المصوبة نحوه من الصاغة وتجار الذهب، ذلك أن سياساته المتعلقة بشراء وتصدير الذهب سببت كثير ضرر للمشتغلين في التنقيب من المعدنين، والتجار من الصاغة.

وطوال العامين الأخيرين، واجه البنك المركزي انتقادات متواصلة، ومن جهات متعددة ذات علاقة بالقطاعات الاقتصادية، ومرد ذلك أن كثيرا من السياسات التي أصدرها المركزي لم تجد الترحيب من القطاعات المرتبطة بها، كما أن التسرع في إصدار القرارات كان سمة بائنة خاصة في العام الأخير.

*تعزيز التنسيق

وللخبير الإقتصادي ورئيس اللجنة الإقتصادية الأسبق بالبرلمان، د. بابكر محمد توم، رؤية تسير في اتجاه معاكس لحديث المحافظ الأسبق، وقال التوم إن استقلالية البنك المركزي هي من موجبات اختصاصاته الأساسية، رغم تلميحه بأن الطاقم القائم على إدارته يحتاج لمزيد من الاستقلالية، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق مع وزارة المالية التي تتولى إدارة وتطبيق السياسات المالية، فيما يتولى البنك المركزي السياسات النقدية، وقال إن المطلوب المزيد من التنسيق بين هاتين السياستين.

*خلل سياسات

بشكل عام، يعيب المختصون على طاقم البنك المركزي اعتماده على سياسات لا تجد حظها من الترحيب وسط الجهات المعنية بها، فسياسات شراء وتصدير الذهب على سبيل المثال لم تنقطع الشكاوى منها من الصاغة والمعدنين والعاملين في القطاع، ويشير بعض المختصين إلى أن هذه السياسات تحديدًا لها دور كبير في استفحال وتفشي التهريب، مما يفقد البلاد سنوياً مبالغ طائلة، رغم مناداة وزارة المعادن والجهات ذات الصلة منذ أكثر من عام ونصف بإنشاء بورصة للذهب للقضاء على التهريب لكن ذلك لم يتم حتى اليوم.

*معالجات خاطئة

ويرى الخبير الاقتصادي د. عبد الله الرمادي، أن الطاقم الذي يدير البنك المركزي غير مؤهل مهنياً ليكون في هذه المواقع، وقال “أنا لا أعرفهم لكن أرى نتيجة قراراتهم وسياساتهم”.

وقال الرمادي، إن الاستقلالية تتطلب استشارة المختصين ودراسة القرارات قبل إصدارها والاستفادة من العلماء والخبراء في الاقتصاد في الداخل والخارج وهم كثر ولا يُستفاد منهم، وأرجع ذلك لأن التعيين لا يكون على أساس المعرفة والمهنية العالية حتى في المواقع الحساسة، مشيراً لتعيين أشخاص لم يدرسوا الاقتصاد نهائياً في مواقع اقتصادية حساسة جداً.

وضرب الرمادي مثلاً بإخراج اللجنة الموجودة بالبنك المركزي التي تحدد أسعار الدولار يومياً وأسمتها “صناع السوق”، وهي لا تصنع سعر الدولار، لأنها لا تملك احتياطي عملات، ولا دولارات، وإن لم يمتلك البنك المركزي حصيلة دولارية فلن يستطيع حل مشكلة الدولار، لافتاً إلى أن الاقتصاد علم واحد زائد واحد يساوي اثنين، وما قامت به اللجنة هي محض اجتهادات لن تجدي نفعاً.

*مسبّبات

وعقب قرار رفع الحظر عن البلاد، قام بنك السودان المركزي بتكوين لجنة برئاسة نائب المحافظ بغرض إعادة النظر في السياسات التي تبناها البنك في ظل العقوبات الأمريكية، سيما أن مباحثات واتصالات مع بنوك أجنبية كانت تجرى حينها أملت أن تثمر بعودة علاقات المركزي مع نظائره في الدول الأخرى لكن ذلك لم يحدد حتى الآن.

ولم تجدِ سياسات البنك المركزي فتيلاً لمعالجة انخفاض قيمة العملة المحلية وكبح جماح الدولار المتصاعد منذ العام 2011م، ويقول خبراء اقتصاديون أن الأزمة مركبة وذات أبعاد متعددة، منها انخفاض الإنتاج وغياب المشروعات العملاقة التي توظف العمالة بأعداد كبيرة، فيما يرى البعض أن البلاد لم تنجح بعد في معالجة الآثار المترتبة على انفصال جنوب السودان أهم الأسباب التي عمقت مشكلة ندرة موارد النقد الأجنبي، حيث فقدت البلاد (76%) من موارد النقد الأجنبي وحوالي (56%) من الإيرادات العامة للدولة، وسرعان ما انتقلت الصدمة للقطاعات الاقتصادية المختلفة، وشهدت البلاد ارتفاع الضغوط التضخمية، وانخفض إنتاج القطاعات الاقتصادية وارتفع عجز الموازنة العامة وترتب على ذلك تنامي الكتلة النقدية وارتفاع تكلفة المعيشة تباعاً.

الخرطوم: جمعة عبد الله
صحيفة الصيحة.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.