محمد حامد جمعة: الجيش.. خط أحمر

ابتدرت نقاشات حول مقارنات بشأن مفاهيم الناس في الموالاة والمعارضة تختلف؛ من بلد لآخر، ومن شعب لغيره؛ وأزعم أن لي اهتمامات بفحص ومتابعة الحراك السياسي في المحيط الأفريقي؛ تابعتُ تطورات مصر ولاحظت ما حدث ويحدث في أثيوبيا، وأتابع الآن أحداث الجزائر، بل ولي صداقات مع نخب ضد (خامسة) بوتفليقة ولي صلات بأنصار له؛ كنتُ أحادث هاتفياً أحد الرافضين لحظة ذيوع خبر الإعلان الرسمي عن ترشّح الرئيس الجزائري فانقطع الاتصال على نحو أدركت معه أن ثمة خطب لأعرف لاحقاً أن الصديق سقط مغشياً عليه من الغضب حينما سمع !

*وأقول من واقع تلك المُتابعات فإني لاحظت في النماذج الثلاثة (الأثيوبي، المصري والجزائري) أن المعارضين والمحتجين على أنظمتهم في منشوراتهم وأدبياتهم يفصلون بين معاداة أنظمة الحكم و(أوطانهم)، إذ لا أجد عادة معلومات تتعلق بأي محظور قومي يتعلق بالأمن؛ ونادر ما يتم مثلاً الإشارة لأي صلات تحالُفية مع الخارج أو بث أي مضمون يكشف أسراراً غض النظر عن عمقها أو درجة حرزها؛ وعدا عن وزراء الدفاع ومديري الأمن الذين ترتبط حكماً أنشطتهم بالبناء السياسي للدولة لا يكاد المتابع يقع على تفصيل خاص بالجيش أو الشرطة غض النظر عن حجم الانتقادات المصوّبة لها في تلك النزاعات والخلافات بتلك البلدان.

*لا أعرف هل أنا محق أم لا، ولكن باستعراض النموذج السوداني، فأظن أن بعض المعارضين يمارسون سلوكيات فيها كثير من الخلط والعشوائية والتشفّي المؤذي الذي لا يمايزون فيه كثيراً بين نطاق خلافهم المستحق مع نظام أو جماعة وعموم المسائل الأخرى؛ حتى صرتُ أشعر أن الأجنبي المبعوث والمراقب للأمر في السودان، قد لا تحتاج بلده إلى عميل أو جاسوس؛ أو باذل معلومات (صحّت أم لم تصُح)، إذ يمكن لأي متقوّل أن يتطوع بما يشاء! وقد عجبتُ من جراءة نشر أحدهم لقصص و(إشارات) عن تحرّكات القوات المسلحة السودانية، أو نشر معلومات شملت رقم الهاتف الشخصي لمدير هيئة العمليات بجهاز الأمن والمخابرات الوطني! وهو تصرّف غريب لا أعرف حتى الآن الوجاهة النضالية فيه بأي قياس ودرجة.

*المُريح في هذا النقاش الذي تمدّد بيني وأطياف مختلفة من المتابعين والمناقشين إقرار الكل بضرر الخلط بين الموقف القصير للخيار الذاتي والصالح الوطني العام؛ وابتداءً اتفق الكل على أن حرف الغبينة الخاصة لأجل هدم كامل الوطن سلوك مرفوض وإن كان البعض تعلّل بأن تطرّف البعض في خلط المقادير وارتباك آليات الفصل مرده مواقف أو ملاحظات يرونها تجوز جعل بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية على قوميتها وأنها واسطة العقد الرسمي مباحاً وظني أن هذا تقدير خاطئ، فحتى في حال ثبوت بعض الخروقات فبشواهد عديدة تظل القوات المسلحة السودانية وبقية الأجهزة ومقارنة بفظائع ارتكبت من مؤسسات نظيرة في دول مجاورة تظل مؤسسات أقرب للوجدان السوداني المتسامِح والسمح سلوكاً وممارسة، بل إن حتى بعض التجاوز الذي يقع لأي سبب كان يتم ردعه بإجراءات كثيرة وعواقب لا مجاملة فيها أو تحيّز وظيفي بأي قدر.

*مهمٌ ومطلوبٌ وبشدة إنارة أضواء الوعي خاصة في أوقات شيوع الظلام جراء تعقيدات المواقف السياسية، بحيث تظل مُحدّدات وسقوفات الفعل المعارِض محكومة ومنضبِطة، وهو ذات ما يجب أن تلتزم به مؤسسات الدولة بجعل عين الرقابة حاضرة حتى لا يجر متفلّت أو متجاوِز على نفسه ومؤسسته غبائن الانتصار والانتقام، وفي كل الأحوال ترحل الأنظمة وتتبدّل الحقب وتبقى الأوطان التي كلما كانت مؤسساتها القومية مُحصّنة وآمنة كان المستقبل أفضل، وكلما قويت البلاد أمام عدّوها وتعافَت من عوارِض التحوّلات ومن قبل دفع السودان ثمناً غالياً بعد الانتفاضة حينما جعل الساسة مبلغ علمهم استهداف الجيش والأمن؛ يومها انكشف سر وجهر الوطن أمام كل صاحب غرض ومرض، ومجاناً، بل ولم يعد يكلف الأمر سوى مأدبة عشاء أو شراء صحيفة من طرف السوق؛ فما بالكم والآن ومع ثورة الوسائط، حيث يستطيع صاحب أي حساب ومدونة أن يعرض بضاعته !

*وإن غاب الوعي والحرص، فلا مناص أو خيار من أن تتعامل السلطات وبالقانون مع مثل هذه الظواهر بحزم رادع؛ وهذا مُتفّق عليه حتى في أكبر الدول المسمّاة ديمقراطية؛ بما في ذلك بريطانيا وأمريكا التي رغم كل مساحات الحريات لا تتسامح مع نشر معلومات تخص مؤسسات خطيرة مثل الجيوش ومؤسساتها الأمنية فتُحاكم وتجلب وتطرد وتلاحق؛ ما فيش لعب.

محمد حامد جمعة
الصيحة

Exit mobile version