النيلين
الطاهر ساتي

(حكومة لله)

:: ويقول الشاعر إبراهيم العبادي، على لسان ود كين، في مسرحية المك نمر:
الشجر إن وقع بتكسرن فرَّاعو
وقمحان الطَّلَب للما بجيبو ضراعو
ليه يا أخوانَّا للبيناتْنا ما بِتْراعو؟
البقول راسو موجعو بربطولو كراعو!
:: وهكذا تقريبا يجتهد المجلس العسكري في معالجة أزمات الناس والبلد.. وعلى سبيل المثال، نقرأ هذا الخبر: شدد المجلس العسكري على أهمية خروج الحكومة من القطاع التجاري والاكتفاء بوضع الخطط والاستراتيجيات، ومخاطبا مبادرة أصحاب العمل وندوتها، قال رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس اللواء ركن إبراهيم جابر (لا توجد حكومة تتاجر)، ثم تساءل عن سبب مشاركة الحكومة في الشركات الخاصة، وخاصةً أن هذا ليس عملها.
:: لقد صدق رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس، فالتجارة ليست من وظائف الحكومة، ويجب أن تخرج الحكومة من التجارة، ولكن يبقى السؤال: أين هي الحكومة لتخرج من التجارة أو تدخل إلى الصناعة؟.. لسان حال الناس يتسوّل ويتوسّل السادة بالمجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير: (حكومة لله يا محسنين).. أربعة أشهر، وهم في انتظار حكومتهم المدنية، ويبدو أنهم سوف ينتظرون طويلا، ربما إلى أن يبلغ سعر كيلو الطمام مليون جنيه (بالقديم)، علماً بأن السعر اليوم ربع المليون.
:: وعليه، فالصُداع الذي يؤرق مضاجع الشعب والبلد هو عدم وجود حكومة.. ومن الخطأ أن يُعالج المجلس – وتوابعه – هذا الصُداع بربط (الكُراع)، أي بمثل هذه المبادرات التي لاتسمن ولا تغني من جوع.. ونعم، ما لم تخرج شركات النظام – والتنظيم – من أسواق الناس نهائياً، وما لم يتم تفكيك كل أنواع الاحتكار، وما لم تتقن أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني الرصد والرقابة، فلن ينصلح الحال العام.
:: ونعم لتحرير الأسواق والأسعار، ولكن لهذا لتحرير شروط لم يلتزم بها النظام المخلوع.. ولعدم التزام النظام المخلوع بشروط التحرير، كان – ومايزال – حال الناس مع تحرير الأسعار كمن ألقوه في اليم مكتوفاً من الأيدي مع التحذير بأن لا يبتل بالماء، فتجاوز الحال مرحلة الابتلال إلى مرحلة (الغرق).. تحرير الأسواق والأسعار – في بلاد الآخرين – يعني التنافس بالإنتاج والجودة والسعر لصالح المواطن، ولكن هذا التحرير في عهد النظام المخلوع كان يعني تحالف رداءة السلع مع ارتفاع أسعارها ضد المواطن.
:: ومايزال قُبح الاحتكار يُطغي على أوجه التجارة لحد توزيع بعض السلع بتعليمات وحدات حكومية، الدقيق والسكر نموذجاً، وما خفي أعظم.. وماتزال شركات النظام المخلوع – والتنظيم – تزاحم العامة في أسواقها، أي لم تسقط بعد.. ومايزال المواطن يسأل الباعة عن سعر السلعة بدلاً عن قراءة الديباجة التي توضح السعر، وهذا لا يحدث إلا في بلادنا رغم القانون الذي يلزم البائع بوضع تلك الديباجة على كل سلعة بغرض المنافسة بالجودة والسعر.
:: ثم إن الناظر إلى خارطة الصناعة والزراعة وغيرها من (ساحات الإنتاج)، يجد فيها القليل من أنصار النظام المخلوع.. ولكن حين تحدّق في عالم التجارة – وأوكار السمسرة – ترى فيالقَ من أنصار النظام المخلوع، يطحنون بعضهم ثم المواطن، ليحتكروا الأسواق وسلعها، وليثروا لحد الفحش.. نعم، فالقليل من العامة هم الزُّرَّاع والصنَّاع في بلادنا، بيد أن السواد العام من خواص النظام المخلوع كان – ومايزال – يحترف تعذيب الناس بالجشع والاحتكار.. والسبب هو عدم وجود حكومة تُراقب وتُحاسب و..و… (تنتج).

إليكم… الطاهر ساتي
صحيفة السوداني

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.